فخر الدين الرازي

182

النبوات وما يتعلق بها

فعلمنا : أنه ما كانت دعوته البتة ، إلى هذا الدين الخبيث ، وانما كانت دعوته إلى التوحيد التنزيه « 4 » . ثم إن تلك الدعوة ما ظهرت البتة ، بل بقيت مطوية غير مروية فثبت : أنه لم يظهر لدعوته إلى الحق أثر البتة . وأما دعوة محمد عليه السلام إلى التوحيد والتنزيه ، فقد وصلت إلى أكثر بلاد المعمورة ، والناس قبل مجيئه كانوا على الأديان الباطلة . فعبدة الأصنام كانوا مشتغلين بعبادة الحجر والخشب . واليهود كانوا في دين ( التشبيه ، وصنعة التزوير ، وترويج الأكاذيب والمجوس كانوا في عبادة الإلهين ) « 5 » ونكاح الأمهات والبنات . والنصارى كانوا في التثليث ، تثليث الأب ، والابن وروح القدس . والصابئة كانوا في عبادة الكواكب ، فكان أهل العالم كانوا معرضين عن الدين الحق : والمذهب الصدق ، فلما أرسله اللّه تعالى إلى هذا العالم ، بطلت الأديان الباطلة ، وزالت المقالات الفاسدة ، وطلعت شوس التوحيد ، وأقمار التنزيه من قلب كل أحد ، وانتشرت تلك الأنوار في بلاد العالم . فثبت : أن تأثير دعوة محمد عليه السلام في علاج

--> ( 4 ) في الفصل الرابع بعد المائة من إنجيل برنابا وما بعده : « قال متى : يا معلم انك لقد اعترفت أمام اليهودية كلها بأن ليس للّه من شبه كالبشر . وقلت الآن : ان الانسان ينال من يد اللّه . فإذا كان للّه يدان ، فله اذن : شبه بالبشر ؟ أجاب يسوع : انك لفى ضلال يا متى . ولقد ضل كثيرون هكذا ، إذ لم يفقهوا معنى الكلام ، لأنه لا يجب على الانسان أن يلاحظ ظاهر الكلام ، بل معناه : أن الكلام البشرى بمثابة ترجمان بيننا وبين اللّه . ألا تعلم أنه لما أراد أن يكلم آباءنا على جبل سيناء ، صرخ آباؤنا ، كلمنا أنت يا موسى . ولا يكلمنا اللّه لئلا نموت ؟ وما ذا قال اللّه على لسان أشعياء النبي : أليس كما بعدت السماوات عن الأرض ، هكذا بعدت طرق اللّه عن طرق الناس ، وأفكار اللّه عن أفكار الناس ؟ ان اللّه لا يدركه قياس ، إلى حد أنى ارتجف من وصفه . . . الخ » . ( 5 ) سقط ( ت ) .