فخر الدين الرازي
173
النبوات وما يتعلق بها
« إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ » وذلك لأنا بينا أنه حصل في بدنه تسعة عشر نوعا من أنواع القوة ، وكلها تجره إلى الدنيا وطيباتها ولذاتها . وهي : الحواس الخمس الظاهرة ، والخمس الباطنة ، والشهوة والغضب ، والسبعة النباتية . فمجموعها تسعة عشر ، وهي الزبانية الواقفة على باب جهنم : الجسد . وأما العقل ، فإنه مصباح ضعيف . انما حصل بعد استيلاء تلك التسعة عشر على مملكة البدن . وإذا كان كذلك ، فالظاهر أن حب الدنيا يستولى على النفوس والأرواح . فإذا مات البدن ، بقيت النفس في الخسران والحرمان . فلهذا قال : « إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ » ثم إن استثنى من هذا الخسران ، انسانا يتناول ترياق الأربعة ، وهو ترياق روحاني مركب من أخلاط أربعة روحانية . أولها : كمال القوة النظرية ، وهو قوله : « إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا » وثانيها : كمال القوة العملية [ وهو قوله : « وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ » وثالثها : السعي في تكميل القوة [ النظرية للغير ، وهو قوله : « وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ » ورابعها : السعي في تكميل القوة العملية « 15 » ] للغير ، وهو قوله : « وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ » وانما عين الصبر ، لأن البلاء الأكبر في دعاء الشهوة إلى الفساد ، والغضب إلى الايذاء ، وسفك الدماء . كما أخبر عن الملائكة أنهم قالوا : « أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ « 16 » ، ؟ فإذا قدر الانسان على الصبر ، عن إجابة الشهوة والغضب ، فقد فاز بكل الخيرات في القوة العملية . ومن جملة الآيات الدالة على صحة ما ذكرناه : أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم طلبوا منه المعجزات القاهرة في قوله : « وَقالُوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً « 17 » » . قال له « 18 » : « قل : سبحان ربى . هل كنت الا بشرا رسولا ؟ يعنى :
--> ( 15 ) سقط ( ت ) . ( 16 ) البقرة 30 . ( 17 ) الاسراء 90 . ( 18 ) ثم إنه تعالى قال له [ الأصل ] .