فخر الدين الرازي
171
النبوات وما يتعلق بها
الناطقة : مختلفة ، فبعضها ينتفع بذلك التذكير ، وبعضها لا ينتفع به ، وبعضها يضره سماع ذلك التذكير ، لأن سماعه يثير في قلبه دواعي الحسد والغيظ والغضب والاصرار على الجهل . ثم لما نبه تعالى على أن المستمع لذلك التذكير قد ينتفع به ، وقد لا ينتفع به ، أتبعه ببيان خاصية كل واحد من هذين القسمين ، فبين أن صفة من ينتفع بهذا التذكير ، هو أن يكون الخوف غالبا على قلبه ، والخشية مسؤولية على روحه . ولأجل ذلك الخوف : يطلب زاد المعاد ، فلا جرم أنه ينتفع بارشاد هذا المحق . وأما الّذي لا ينتفع بهذا التذكير ويتباعد عنه ، ويجتنب من القرب منه ، فهو النفس الموصوفة بكونها أشقى النفوس ، فإنها تبقى في عناء هذا العالم ، وبعد الموت تقع في نيران الحسرة والوحشة . ولما بين هذا ، أزاد في صفته ، ، فقال : « ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ، وَلا يَحْيى » وانما قال : « ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها » لما ثبت أن النفس لا تموت بموت البدن ، وانما قال : « وَلا يَحْيى » لأنها وأن بقيت حية ، لكنها بقيت في العذاب . والموت خير من هذه الحياة ، فلهذا قال : « ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى » . ولما بين وعبد من لا ينتفع بذلك التذكير ، بين كمال حال من ينتفع به ، فقال : « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى » وذلك لأن المقصود من تعاليم الأنبياء ، وتذكيرهم وارشادهم : أمران : أحدهما : إزالة الأخلاق الذميمة الجسمانية « 10 » عن النفس . والثاني : تحصيل الصفات الحميدة الروحانية في النفس ، ولما كانت إزالة ما لا ينبغي مقدمة على تحصيل ما ينبغي ، لا جرم ابتدأ بقوله تعالى : « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى » والمراد منه : تزكية النفس وتطهيرها عن الصفات المذمومة ، ولما ذكر ذلك ، أتبعه بتحصيل ما ينبغي ، وذلك أما في القوة النظرية ، أو في القوة العملية . ورئيس المعارف النظرية : ذكر اللّه تعالى ومعرفته ، ورئيس الأعمال الفاضلة : خدمة اللّه تعالى . فلهذا قال : « وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ » وهو إشارة إلى استسعاد الانسان في تكميل [ قواته النظرية بارشاد الأنبياء . وقوله :
--> ( 10 ) الروحانية ( ل ، طا ) .