فخر الدين الرازي

169

النبوات وما يتعلق بها

الفصل الثاني في أن القرآن العظيم يدل على أن هذا الطريق هو الطريق الأكمل والأفضل في اثبات النبوة أعلم : أنا سنذكر سورا من القرآن ونفسرها ، ليظهر من ذلك التفسير : صحة هذا الطريق الّذي ذكرناه . فمنها : سورة « سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى « 1 » ، فنقول : قد علمت أن الأصل هو الإلهيات ، والفرع هو النبوات ، فلا جرم جرت العادة في القرآن : أن يقع الابتداء بتقرير الإلهيات ، ثم يقع « 2 » الشروع في تقرير النبوات بعدها . ففي هذه السورة بدأ بالالهيات ، فقال : « سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى » ومعناه : أنه أعلى من مناسبة جميع الممكنات ، ومشابهة كل المحدثات « 3 » لأنها مركبة من المادة والصورة باعتبار ، ومن الجنس والفصل باعتبار ثاني ، ومن قبول التغير والفناء ، اما في الذات ، واما في الصفات [ وهو سبحانه أعلى من كل الأشياء في كل هذه الصفات « 4 » ] وفيه لطيفة أخرى لا يمكن ذكرها . واعلم أن : أكثر الدلائل المذكورة في القرآن على اثبات الاله تعالى ، محصورة في قاعدة واحدة ، وهي حدوث الصفات ، وهي أما في الحيوانات ، واما في النبات ، والحيوان كذلك له بدن ونفس فقوله : « خَلَقَ فَسَوَّى » : إشارة إلى ما في أبدانها من العجائب . وقوله : « وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى » إشارة إلى ما في نفوسها من الغرائب . فنبه بهذين الضابطين على ما لا نهاية له من

--> ( 1 ) أول سورة الأعلى . ( 2 ) إلى هنا : في ( ت ) في الفصل الثاني في أن القرآن العظيم يدل . . . الخ . ( 3 ) من هنا مذكور في ( ت ) في فصل تقرير طريقة الفلاسفة . ( 4 ) من ( ل ، طا ) .