فخر الدين الرازي
148
النبوات وما يتعلق بها
مستقرا ثابتا ، حتى يتفرغ قلبه للاشتغال بخدمة اللّه تعالى ، وهذا المقصود لا يتفاوت بأن تكون القبلة هي الكعبة أو غيرها . وكذلك المقصود من اجتماع الخلق الكثير في الموضع الواحد ، لأجل أداء الطاعات والعبادات : أن قصير كثرة الأرواح المتوجهة إلى استنزال رحمة اللّه تعالى ، سببا لقوة ذلك التأثير لتكميله . وهذا لا يتفاوت بأن تلك الجمعية حاصلة في يوم الجمعة ، أو في يوم السبت ، أو في يوم الأحد . إذا عرفت هذا ، فنقول ظهر . بهذا البحث : أن الأشياء التي اختلفت الشرائع فيها : أمور لا فائدة فيها البتة ، بحسب المطالب الأصلية . فلم يبق الا أن يقال : الغرض من التشديد في اظهارها : أن يصير ذكر ذلك المتقدم مندرسا ، وأن يصير ذكر هذا الثاني باقيا ، فيما بين الناس . ولا فائدة في ذلك الا طلب الرئاسة في الدنيا [ والتفوق على الخلق ، ولما شرعوا القتل والنهب والايذاء والايلام ، لتقرير هذه المعاني ، علمنا : أنه ليس بصواب . وظهر أن المقصود منه ليس « 8 » ] الا طلب الرئاسة في الدنيا ، فيكون باطلا . الشبهة الثانية للقوم : قالوا إن حكم العقل في التحسين والتقبيح ، أما أن يكون معتبرا ، وأما أن لا يكون ، وعلى التقديرين ، فالقول بالنبوة : مشكل . أما القسم الأول : وهو أن يكون التقدير : أن يكون حكم العقل في التحسين والتقبيح مقبولا فنقول : انه متى كان الأمر كذلك كانت بداءة العقول قاضية بأن الانسان إذا كان قلبه خاليا عن [ الالتفات إلى الدنيا وشهواتها ، وكان خاليا عن « 9 » ] الاشتغال بغير اللّه تعالى ، وكان غريقا في نور معرفة اللّه تعالى ، وفي ذكره : فهذا الانسان إذا مات ، وجب أن يكون من السعداء الأبرار ، لكنا نرى أن الأنبياء يقولون : ان من كان حاله على ما ذكرناه ، ثم أنه غفل عن الاقرار بالنبوة والرسالة ، أو كان متوقفا فيه ، كان كافرا من أهل العذاب الدائم والعذاب المخلد . ولما ثبت أن حكم العقل في الانسان المذكور أن يكون من السعداء الأبرار ، وثبت أن حكم الشرع فيه أن يكون من الأشقياء الكفار ، ثبت أن حكم الشرع مخالف لحكم العقل ، ولما كان
--> ( 8 ) من ( ل ، طا ) . ( 9 ) من ( ل ، طا ) .