فخر الدين الرازي

144

النبوات وما يتعلق بها

الفصل الثالث عشر في البحث عن الطريق الّذي به يعرف الرسول كونه رسولا من عند اللّه عز وجل قال الطاعنون في المعجزات : هب أن الأمة يعرفون بواسطة المعجزات : كون الرسول انسانا أمينا صادقا في دعواه : أما الرسول فكيف يعرف كونه رسولا ؟ وذلك لأن ثبوت رسالته ، أما أن يكون لأجل أن اللّه تعالى يرفع الوساطة من البين . ويقول أيها العبد أنت رسولي إلى الخلق ، وأما أن يكون لأجل أن اللّه تعالى يرسل إليه ملكا ، ويقول له ذلك الملك : أنت رسول اللّه - تعالى - إلى الخلق . أما القسم الأول : فبعيد . وأكثر الأنبياء مطبقون على أنهم انما جاءتهم الرسالة من عند اللّه بواسطة الملك . فبقى القسم الثاني ، فنقول : كما أن الأمة مفتقرون في التمييز بين المدعى المحق ، وبين المدعى البطل إلى الحجة ، فكذلك الرسول لا يمكنه التمييز بين الملك المعصوم ، وبين الشيطان المرجوم ، الا بالمعجزة . لكن لا سبيل إلى هذا المعجز . وذلك لأن الرسول البشرى لا يعرف ما يوافق العادة ، في عالم الملائكة ، وما يخالف العادة هناك . فكل معجز يأتي به الملك في تقرير أنه محق ، فان الرسول البشرى يجوز أن يكون ذلك أمرا موافقا للعادة في عالم الملائكة . وبهذا التقدير فان ذلك الملك لا يقدر على تقرير الحجة على كونه ملكا معصوما . فان قالوا : انه إذا أتى الملك بفعل خاص ، ثبت بالدليل أنه لا يقدر على احداثه أحد الا اللّه - سبحانه وتعالى - فحينئذ يعرف النبي كونه ملكا معصوما لا شيطانا مرجوما ، فنقول : هذا - أيضا - لا يطيد ، وذلك لأن الفعل وان كان فعلا لا يقدر أحد على ايجاده الا اللّه تعالى ، الا أنه لا يمتنع في العقل أنه - تعالى - أجرى العادة في عالم الملائكة بأن كل من دعا اللّه « 1 »

--> ( 1 ) سقط ( ت ) .