فخر الدين الرازي

111

النبوات وما يتعلق بها

الشَّياطِينُ » « 24 » ثم أجاب عنه بقوله « هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ ؟ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ . يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ » « 25 » وسنعرف حقيقة هذا الجواب بعد ذلك . واعلم : ان كفار قريش كانوا يؤكدون هذا السؤال بوجه آخر . فيقولون : انه من المشهور عند جمهور العرب : أن لكل شاعر صاحبا من الجن يعينه على الشعر ، ويهديه إلى دقائقه ويرشده إلى مضايقه . فقالوا لمحمد عليه السلام لما كان هذا مشهورا في حق الشعراء ، فلم لا يجوز مثله في حقك ؟ فأجاب عنه في آخر هذه الآيات ( 3 ) بقوله : « وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ » « 26 » وستعرف حقيقة هذا الجواب في الفصول الآتية ، والمقصود هاهنا : بيان أن هذا السؤال سؤال مشهور ، مذكور من أول الأمر . فان قالوا : هذا مدفوع من وجوه : الأول : ان الأنبياء عليهم السلام ، انما جاءوا بلعن الشياطين والجن والأبالسة ، فكيف يعقل كون الأبالسة أعوانا لهم في تقرير المعجزات ؟ والثاني : أنه لو فعل الجنى ذلك ، لوجب على اللّه تعالى ان ينصر انسانا يأتي بمعاصيه ، لئلا يحصل التلبيس . وحيث لم يفعل . علمنا أنه ليس من فل الجن ، بل من فعل اللّه تعالى . الثالث : ان الجن لم يبلغوا في القدرة إلى هذا الحد العظيم ، إذ لو قدروا عليه لوجب ان يصل منهم الشر العظيم إلى الأنبياء والعلماء الذين يشتغلون بلعنهم وسوء القول فيهم . قلنا : أما الجواب الأول فضعيف . لأنه لا يبعد أن يقال : أنهم لشدة رغبتهم في القاء الشبهات والأباطيل ، يتحملون ذلك الطعن واللعن ، ومع ذلك فيعينون هؤلاء الدعاة على سبيل الكذب ، ليحصل ( فرضهم ) « 27 » من

--> ( 24 ) سقط ( ت ) ( 25 ) الشعراء 220 - 222 . ( 26 ) الشعراء 223 . ( 27 ) سقط ( طا )