سميح دغيم

64

موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي

- إن قيل : قولكم إنّ أحدنا محدث لتصرّفه لأنّ تصرّفه يقع بحسب قصده وداعيه باطل بالساهي ، فإنّه محدث وإن لم تقع تصرّفاته بحسب قصده ودواعيه . وجوابنا ، أنّ هذا الذي أوردتموه عكس الدلالة ، والأدلّة لا يعتبر فيها العكس ، وإنّما يعتبر فيها الطرد والمنافضة ، وذلك هو أن يرينا شيئا وقع بحسب قصودنا ودواعينا ثم لم يتعلّق بنا تعلّق الفعل بفاعله ، فإمّا أن يرينا محدثا لم يقع فعله بحسب داعيه ، فإنّ هذا عكس ما دللنا به في المسألة ، وذلك لا يقدح في كلامنا ، لأنّه لا يمتنع في حكمين مثلين أن يكونا معلومين مختلفين . وعلى هذا نعرف حدوث الأجسام بدلالة ، وهو استحالة انفكاكها عن الحوادث ، وحدوث الأعراض بدلالة أخرى وهو جواز العدم عليها . ونحن وإن لم يمكننا أن نعلم بهذه الطريقة أنّ الساهي محدث ، فإنّ ذلك يمكن بطريق أخرى . على أنّ في هذه الدلالة ما هو احتزاز عن الساهي ، لأنّا قلنا هذه التصرّفات تقع بحسب قصودنا ودواعينا وتنتفي بحسب كراهتنا وصارفنا مع سلامة الأحوال إمّا محقّقا وإمّا مقدّرا ، ومعلوم أنّ تصرّفات الساهي وإن لم تقع بحسب قصده محقّقا ، فقد تقع بحسب قصده مقدّرا ، لأنّا لو قدّرنا أنّ للساهي قصدا ، لكان لا بدّ في تصرّفه من أن يكون واقعا بحسب قصده . ثم الذي يدلّ على أنّه محدث كالعالم ، هو ما قد ثبت أنّ فعله يقع بحسب قدرة يقلّ بقلّتها ويكثر بكثرتها ، وعلى هذا لو كان في منتهى رجله كوز يمكنه أن يحرّكه ، ولو كان بدل الكوز حجر عظيم لم يمكنه نقله ولا تحريكه ( ق ، ش ، 342 ، 3 ) - إنّ الأدلّة هي كالآلات في الأفعال وإذا اختلفت لم تختلف لاختلافها الأفعال ، وعلى هذا نعلم أنّ الناظر في الأجسام ليعرف اللّه كالناظر في الألوان ليعرف اللّه ، وعلماهما مثلان لا يختلفان وإن كان الطريق مختلفا ، بل يكون العلم الضروري مثلا للمكتسب مع أنّ الطريق مختلف ( ق ، ت 1 ، 189 ، 6 ) - اعلم أنّ الأدلّة على ضربين : أحدهما يدلّ على ما يدلّ عليه ، لوجه يختصّه لا يتعلّق باختيار الفاعل له وما جرى مجراه . فهذا لا يجوز أن يتغيّر حاله في الدلالة ، وذلك كدلالة الأعراض على حدوث الأجسام ، والفعل بمجرّده على أنّ فاعله قادر ، وبكونه محكما على أنّه عالم . والثاني يدلّ على مدلوله ، لوقوعه على وجه له تعلّق باختيار فاعله ، كدلالة الكلام على ما يدلّ عليه . لأنّ الخبر إنّما يدلّ على المخبر عنه من حيث قصد به الإخبار عمّا هو خبر عنه ، ومن حيث كان فاعله على صفة ولا يدلّ لجنسه . ولذلك قد يوجد على هذا الوجه ، ولا يدلّ ؛ ولا يجوز أن يقع الفعل ، ولا يدلّ على أنّ فاعله قادر . وكل ما دلّ لشيء يرجع إلى اختيار فاعله ، فلا بدّ من اعتبار حاله في كيفية الدلالة ؛ لأن الخبر إذا جاز ، والصنعة واحدة ، أن يقع صدقا وكذبا ، فيجب أن يعلم من حاله فاعله أنه ممن لا يفعل الكذب ، حتى يكون دلالة . لأنّ هذا الخبر نفسه قد يجوز كونه خبرا عن المخبر الذي إذا كان خبرا عنه كان كذبا ، وعن المخبر الذي إذا كان خبرا عنه كان صدقا ، فلا بدّ من أمر به يعلم أنّه بأن يكون صدقا أولى من أن يكون كذبا ، وهو أن يعلم من حال فاعله أنّه لا يختار الكذب ( ق ، غ 8 ، 215 ، 7 ) - اعلم أنّ الأدلّة على ضربين . أحدهما يجعل حصوله شرطا في حسن التكليف . والآخر يقتضي التكليف وجوبه من غير أن يجعل