سميح دغيم

554

موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي

- ذهب شيخنا أبو علي إلى أنّ الخلق إنّما هو التقدير ، والمخلوق هو الفعل المقدّر بالغرض والداعي المطابق له على وجه لا يزيد عليه ولا ينقص عنه ( ق ، ش ، 548 ، 8 ) - أمّا شيخنا أبو هاشم ، وأبو عبد اللّه البصري ، فقد ذهبا إلى أنّ المخلوق مخلوق يخلق ، ثم اختلفا : فذهب أبو هاشم إلى أنّ الخلق إنّما هو الإرادة . وقال أبو عبد اللّه البصريّ : بل هو الفكر ، وقال : لولا ورود السمع والأذن بإطلاق هذه اللفظة على اللّه تعالى ، وإلّا ما كنّا نجوّز إطلاقها عليه تعالى عقلا . وحجّته في هذا الباب قول زهير : ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري . قالا : أثبت الخلق ونفى الفري ، فدلّ على أنّ الخلق معنى على ما نقوله ( ق ، ش ، 548 ، 13 ) - وبعد ، فإنّ الخلق في اللغة غير المخلوق ، وإن كان في التعارف يوضع أحدهما موضع الآخر ، ولذلك جاز في اللغة أن يقال : هو خالق وليس بفاعل لما قدّر . قال الشاعر : ولأنت تفرى ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفرى فأثبت له الخلق ولم يقطع ما قدّره ، فإذا صحّ ذلك لم يمتنع أن يكون الأمر غير الخلق ، ويكون مع ذلك مخلوقا على ما قدّمناه ( ق ، م 1 ، 283 ، 10 ) - وقوله تعالى من بعد : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( المؤمنون : 14 ) ، يدلّ على أنّ غير اللّه يصحّ منه الفعل والخلق ؛ ألا ترى إلى فساد القول بأنّه أحسن الآلهة ، لمّا لم يصحّ إثبات إله سواه ، وصحّة القول بأنّه أرحم الراحمين ، لما صحّ إثبات راحم سواه . فإن قال : فيجب أن يقال في غيره تعالى إنّه خالق بالإطلاق ؟ قيل له : لا يجب ؛ لأنّ التعارف أوجب أن لا يطلق هذا الاسم إلّا في اللّه تعالى ، كما اقتضى أن لا يطلق اسم الربّ إلّا فيه ، ثم لم يمتنع أن يكون العبد ربا لدابته وداره ، فإن صحّ هذا المعنى فيه ، فكذلك يجب أن يصحّ فيه معنى الخلق والفعل ، وإن منع فيه الإطلاق للإيهام ( ق ، م 2 ، 515 ، 16 ) - إنّ ظاهر الخلق هو التقدير ، وإنّه لا يمتنع من حيث اللغة أن يكون الخالق خالقا لما لم يفعله في الحقيقة ، إذا دبّره وقدّره والفاعل غيره ، فكان يجب على هذا الوجه الذي ذكروه أن يقال إنّه تعالى أراد : واللّه دبّركم ودبّر أعمالكم ، ولا يجب كون عملنا خلقا له تعالى . وبعد ، فإنّ ظاهر الكلام يقتضي أن يكون المراد بقوله : وَما تَعْمَلُونَ ( الصافات : 96 ) أمرا مستأنفا ، لأنّ اللفظة تدلّ على الاستقبال وقد علمنا أنّ ما سيعملونه ، مما لم يوجد بعد ، محال أن يكون خلقا له تعالى ، لأنّ ذلك هو صفة الموجود على بعض الوجوه . ومتى قالوا : إنّ المراد بذلك ليس هو الاستقبال ، بل المراد به عملهم الذي تقضّى ، أو الكائن ، فقد زالوا عن الظاهر ونازعونا في التأويل ويصير الكلام متناقضا - لأنّه كأنّه قال : واللّه خلقكم وخلق المعدوم الذي لم يوجد - ويوجب أن لا يكون في القول فائدة ، وأن لا يتعلّق ذلك بما وبّخهم عليه ، وبكتهم به ( ق ، م 2 ، 585 ، 13 ) - أمّا الطريقة التي عليها ما يكون الفعل كسبا فقد يصحّ من القديم تعالى إيجاد الفعل عليها ، ولكن النفع أو دفع الضرر يرجع إلى غيره لا إليه لاستحالتهما عليه . يبيّن ذلك أنّه كما يصحّ من العبد أن يتقدّم إلى الطعام والشراب يصحّ من اللّه تعالى أن يقدّمهما إليه فيكون قد وجد ما هو