سميح دغيم
517
موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي
- اعلم أنّ شيخنا أبا هاشم ، رحمه اللّه ، قال في سائر كتبه : إنّه ( الخاطر ) كلام ، إما أن يفعله اللّه تعالى أو يأمر بعض الملائكة بفعله ، ولا يجوز أن يكون سواه ؛ ولذلك أغنى دعاء الداعي وخطابه عنه ؛ ولو كان غير كلام ، لم ينب منابه . قال : ولأنّه يجري في بابه مجرى تخويف المخوف من سلوك طريق بأنّه لا ماء فيه ، فيجب أن يكون كلاما . وجعل هذين الوجهين كالدلالة على أنّ الواجب من قول أبي علي ، رحمه اللّه : إنّه كلام ، لأنّه قد استشهد بذلك في كتبه . وقال رحمه اللّه : ولا يجب إذا أثبتناه كلاما أن يكون تعالى مكلّما لكل الخلق على الحدّ الذي كلّم موسى ، كما لا يجب إذا جعلنا قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ( النساء : 1 ) ، كلاما وخطابا لجميع المكلّفين ، أن يكون مكلّفا لهم أجمع على حدّ ما كلّم موسى . وإنّما اختصّ موسى ، صلى اللّه عليه ؛ بذلك لأنّه تعالى كلّمه على وجه مخصوص لم يكلّم عليه غيره ، ولأنّ في العقلاء من لا يرد عليه الخاطر أو يغني عنه دعاء الداعي أو يفكّره من ذي قبل . فلا يجب أن يكون تعالى مكلّما للكل ، سيّما وقد يجوز في الخاطر أن يكون من فعل بعض الملائكة ، فلا يجب أن يكون تعالى مكلّما له ، على أنّ هذا الكلام لخفائه لا يقال في فاعله : إنّه مكلّم لمن أورده عليه ، كما لا يقال في وسوسة الشيطان : إنّه كلام لنا ، وإنّه قد خاطبنا ( ق ، غ 12 ، 402 ، 21 ) - قال رحمه اللّه ( أبو هاشم ) : لو كان ( الخاطر ) اعتقادا ، لكان المخطر بباله مضطرّا إليه ، والمتعالم من حاله خلاف ذلك ؛ ولو كان ظنّا ، لحلّ محلّ الظنّ المتبدأ ، لأنّه تعالى لا يجب أن يفعله فيه بأمارة ؛ فكان ذلك ينبئ عن نقصه ، وكان يجب أن لا يكون سببا لوجوب النظر . وفي بطلان ذلك دلالة على أنّه من جنس الكلام ، لكنه لالتباسه بالفكر من حيث ورد خفيّا ، وحصل بحيث يقارب محل الفكر اليقين ، وصار كالتباس حديث الغشّ في بعض الأحوال بالنظر والفكر . فلذلك لا يحسن أن نعلمه ضرورة ، وإن كان لا بدّ من وروده عليه ( ق ، غ 12 ، 403 ، 17 ) - اعلم ، أنّ المعتمد في ذلك أنّه لا بدّ من إثبات الخاطر معنى ، لأنّه أمر حادث يختصّ من ورد عليه ، ولا بدّ إذا كان معنى ، من أن يكون من أفعال القلوب أو أفعال الجوارح ، لأنّ إثباته سوى هذين لا يصحّ . ولا يمكن أن يثبت من أفعال القلوب إلّا ظنّا أو اعتقادا ، لأنّ ما عداهما لا لبس فيه من حيث صحّ أنّ من ورد عليه الخاطر خائف ظانّ لما يخاف منه ، غير قاطع عليه ، فلا يصحّ كونه علما . ولا مدخل للإرادة وغيرها من أفعال القلوب في هذا الباب . فأمّا النظر ، فهو مما يجب عند الخاطر ، فلا يلتبس بنفس الخاطر . وأفعال الجوارح تنقسم : فمنها ما لا يفيد من حيث تقع المواضعة عليه ، ولا ما يجري مجراه . فلا مدخل في هذا الباب ، لأنّ ما يوجب إثبات الخاطر يوجب كونه مفيدا لأمور تنبّه عليها . ومنها ما يفيد لمواضعة أو غيرها ، كالكلام والكتابة والإشارة . وقد علمنا أنّ الإشارة لا مدخل لها في هذا الباب لأنّها لا تفيد ، بالاضطرار إلى قصد المشير ، ويختلف حالها بحسب فاعلها ومن قصد بها ؛ وذلك لا يتأتّى إلّا مع المشاهدة لها على الوجوه التي تقع عليها . فأمّا الكتابة ، فإنّما تفيد بأن تشاهد صورتها ، فتعرف بها حال الكلام التي هي