سميح دغيم
386
موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي
الوجه الثالث ابتداء الخلق وسائر ما خلقه من الحياة والعقل والشهوة والمشتهى ، لأنّ جميع ذلك تفضّل منه تعالى ، وإحسان يستحقّ عليه المدح والشكر ، ولا يصحّ كونه مستحقّا لذلك إلّا وله صفة زائدة على كونه حسنا . ولو انتفى عنه كونه إحسانا لوجب كونه عبثا قبيحا ، فيجب فيما حلّ هذا المحلّ أن يختصّ بصفة زائدة على حسنه تجري مجرى الندب منّا . ومثال الوجه الثاني العقاب ، لأنّه من حيث كان مستحقّا يحسن فعله ، ولا يستحقّ تعالى به المدح والشكر ، فهو إذا بمنزلة المباح منّا . وكذلك القول في إعادة المعاقب ، وسائر ما يفعله تعالى لكي يفعل به العقاب . ومثال الوجه الأول تمكين المكلّف وإثباته ؛ لأنّه تعالى بالتكليف قد التزم فعل ذلك ، فلا بدّ من كونه واجبا ، ولو فعله لا على الوجه الذي يقتضي وجوبه لأدّى ذلك إلى كونه سبحانه مخلّا بالواجب وهذا في أنّه يمتنع عليه بمنزلة فعل القبيح . فعلى هذه الوجوه يجب أن يعتبر القول في أفعاله تعالى ( ق ، غ 11 ، 68 ، 14 ) - ليس من شرط كون المكلّف معرّضا للثواب أن يكون تعالى معرّضا له ؛ كما أنّه ليس من شرط كون الواجب واجبا عليه أن يكون تعالى موجبا له ؛ لأنّه متى حصل المكلّف بالصفة التي قدّمناها أمكنه التوصّل إلى الثواب بالطاعة ، سواء أراد القديم تعالى ذلك منه أم لا . وإنّما يصير تعالى معرّضا له للثواب بالإرادة التي لأولها وما يجري مجراها لم يكن بأن يكون معرّضا له للثواب أولى من العقاب ، لأنّه قد مكّنه من الأمرين على وجه لا مزيّة لأحدهما على الآخر ، فلو كان معرّضا له لأجل التمكين لم يكن أحدهما أولى بذلك من الآخر . وليس له أن يقول : إنّه بنفس التمكين لا يكون معرّضا للثواب ، وإنّما يكون معرّضا لذلك متى أكمل عقله ، وعرف الفرق بين الحسن والقبيح ، وجعل مشتهيا للقبيح ، نافر الطبع عن الحسن الواجب . ومتى كان القديم تعالى جاعلا له بهذه الصفة التي تدعو إلى الواجب كان معرّضا له للثواب دون العقاب ، وإن تمكّن من الأمرين . فإذن قد ثبت أنّ ما به يصير معرّضا به يصير القديم تعالى معرّضا . وفي ذلك إبطال ما ذكرتموه . وذلك لأنّ المكلّف لا يتمكّن في الحقيقة من فعل الطاعة على الوجه الذي يستحقّ به الثواب إلّا وحاله ما ذكرته . فتصير جميع هذه الوجوه بمنزلة التمكين له من الوصول إلى ذلك . وكذلك أيضا فالمعلوم أنّه لا يستحقّ العقاب بالقبيح إلّا إذا كان حاله ما ذكرته ، فصار ذلك في حكم التمكين له من التوصّل إلى الأمرين ، وكلّ فعل صحّ وقوعه على وجهين فإنّما يقع على أحدهما دون الآخر للإرادة على ما نقوله في الخبر وغيره من الأفعال ( ق ، غ 11 ، 176 ، 12 ) - إنّ تمكينه تعالى المكلّف قد يقع ( على ) وجهين . أحدهما يكون تعريضا للنفع ، والآخر يكون تعريضا للضرر ، فلا بدّ من معنى يخصّصه بأحد الوجهين ؛ كما قلناه في الخبر وغيره . فلذلك وجب كونه مريدا منه الإيمان ، حتى يكون معرّضا للنفع . وليس كذلك ما سألت عنه من النفع المحض الذي لا يتعقّبه ضرر ؛ لأنّ ذلك يقع على وجه واحد ، فيجب كونه حسنا ، وإن لم تتناوله الإرادة ، وكما يحسن منه ذلك فيجب أن يحسن من غيره أن يجعله بحيث تصل إليه هذه المنافع المحضة ، وإن لم يرد ذلك ، ويكون حسنا