سميح دغيم

346

موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي

القطع الذي هو الفعل . وقوله تعالى في هذه الآية : فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ( الفرقان : 2 ) يدلّ على أنّ هذا هو المراد بالخلق ، على ما ذكرناه . وبعد ، فإنّ التقدير إنّما يصحّ في الأجسام ؛ لأنّها التي يظهر فيها اختلاف الأشكال ولذلك كثر ذكر الخلق في الأديم دون غيره . فإذا صحّ ذلك وجب حمل الآية على أنّه خلق الأجسام وقدّرها على ما أراده ، ولهذا ذكر هذا عقيب قوله : الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ( الأعراف : 158 ) فأراد أن يدلّ على أنّه المختصّ بالأمور التي توجب العبادة ، ليبيّن أنّه لا إله سواه ، ولذلك قال بعده : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ( الفرقان : 3 ) وإنّما يتعلّق الأول به متى حمل على ما ذكرناه ولذلك قال لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ( الفرقان : 3 ) منبّها بذلك على أن ما ادّعوه إلها لا يصحّ منه الخلق ، وكل ذلك واضح ( ق ، م 2 ، 528 ، 7 ) - " مشايخنا " وإن اتّفقوا في أنّ المخلوق هو المقدّر فقد اختلفوا في أنّ هذا التقدير هل هو معنى أم لا . فنفى " أبو علي " أن يكون معنى وأوجب أن يكون المراد به إيقاع الفعل على وجه مخصوص وهو الصحيح . وقال " أبو هاشم " : بل لا بدّ من معنى يشتقّ منه قولنا " مخلوق " . ثم جعل ذلك المعنى إرادة ، ووصف أفعال اللّه تعالى من جهة اللغة بأنّها مخلوقة ما خلا الإرادة والكراهة ، ولكنّ السمع أوجب أن يوصف الكلّ بذلك فوصفها به . وقال الشيخ " أبو عبد اللّه " : بل التقدير الذي هو الخلق يرجع به إلى فكر ولولا ورود السمع لكنا لا نجري على أفعال اللّه لفظ الخلق ( ق ، ت 1 ، 346 ، 15 ) - إن قال : فما الطريق الذي به تعرفون في فعل الساهي إنّه فعله ؟ قلنا : إنّا نعرفه فعلا له بتقدير الدواعي ، فنفارق فعل غيرنا لأنّك تقول : هذا الساهي قد وقع هذا الفعل منه على حدّ لو كان عالما كان لا يقع إلّا مطابقة لداعيه ، فيقوم التقدير في ذلك مقام التحقيق . ألا ترى أنّ فعل غيره لمّا لم يكن حادثا من جهته لم يصحّ أن يقدر هذا الوجه فيه ، فعرفنا أنّ فعله يختصّ به على ما نقوله وغير ممتنع أن يقوم التقدير مقام التحقيق في مواضع . فعلى هذا نعرف أنّ زيدا قادر إذا عرفنا أنّه لو حاول الفعل لوقع منه ، كما نعرفه قادرا لو وقع منه الفعل . وكذلك في كونه عالما ( ق ، ت 1 ، 360 ، 11 ) - إنّ شيخنا أبا هاشم رحمه اللّه جوّز أن يخلق الإنسان فعل غيره ، ويوصف بأنّه خالق لفعل غيره ، على ما ذكرناه في الأديم ؛ لأنّه وإن كان من فعل اللّه سبحانه ؛ فالمقدّر له يوصف بأنّه خالق له . وجوّز أن يوصف زيد وعمرو بأنّهما خلقا الأديم ، إذا قدّراه ، وقال : لا يوصف المعدوم بذلك وإن قدّره المقدّر ، لأنّ التقدير إذا تعلّق بالموجود يسمّى خلقا ، وإذا تعلّق بالمعدوم لا يسمّى بذلك . كما أنّ الإرادة متى تعلّقت بالمعدوم يصحّ أن يسمّى عدما ، ومتى تعلّقت بالموجود لم يسمّ بذلك ( ق ، غ 7 ، 220 ، 7 ) - إن قيل : أليس اللّه جلّ وعزّ قد قال : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ( الفرقان : 2 ) و قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ( عبس : 17 - 18 - 19 ) ففرّق بين الخلق والتقدير ، فدلّ على أنّ الخلق هو الإنشاء والإبداع ، والتقدير ، وهو الانتهاء إلى المقدار الكافي ؟ . قيل له : لا يمتنع أن يكون الخلق والتقدير واحدا ، وإن ذكرهما كما قال سبحانه