سميح دغيم

274

موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي

- ألا ترى ما روى في الخبر " لو عمدوا إلى أدنى بقرة لأجزتهم ، لكنهم شدّدوا على أنفسهم فشدّد اللّه عليه " . لكن هذا لا يصح : لأنّه دعوى على اللّه . لحدوث شيء في أمره ، وبدوّ في حكمه ، فذلك كفر ، لا يقوله مسلم ، فضلا عن أن يقول ( له ) رسول من الرسل . تأويل هذا أنّه قال : إنّه يقول كذا ، فلو كان الأول على غير ذلك لكان ( قد ) بدا له فيما عم ، وفسر بما لم يكن أراد . وذلك ( معنى البداء ، بل ) معنى الرجوع عن الأول مما أراد ، والتفسير له بغيره ، ولا قوّة إلّا باللّه ( م ، ت ، 188 ، 12 ) - أمّا البداء ، فإنّه لا يكون بداء إلّا عند اعتبار أمور ؛ نحو أن يكون المكلّف واحدا والفعل واحدا والوقت واحدا والوجه واحدا ، ثم يرد الأمر بعد النهي أو النهي بعد الأمر ؛ ومثاله أن يقول أحدنا لغلامه : إذا زالت الشمس ودخلت السوق فاشتر اللحم ، ثم يقول له : إذا زالت الشمس ودخلت السوق فلا تشتر اللحم ، وإنّما يسمّى بداء لأنّه يقتضي أنّه قد ظهر له من حال اشتراء اللحم ما كان خافيا عليه من قبل . والبداء ، هو الظهور في اللغة ، ولا بدّ من اعتبار هذه الأمور الأربعة التي ذكرناها ، حتى لو تغاير واحد من هذه الأمور الأربعة خرج البداء عن أن يكون بداء ، ألا ترى أنّه لو تغاير المكلّف فقال لأحد الغلامين مثل ما قلناه أو لا ، وللغلام الثاني مثل ما قلناه ثانيا ، لم يكن من البداء في شيء ؛ وهكذا لو تغاير الفعل أو الوقت أو الوجه ، فمعلوم أنّه لو قال له : إذا زالت الشمس فاشتر اللحم ، ثم قال بعده : ولا تشتر السمن والإقط ، أو قال : إذا زالت الشمس فافعل الفعل الفلاني ، ثم قال بعده : إذا أصبحت فلا تفعل الفعل ، فإنّه لا يكون بداء البتّة لتغاير أحد هذه الوجوه الأربعة ( ق ، ش ، 584 ، 18 ) - إنّ البداء هو الظهور ، ولذلك يقال : بدا لنا من هذا الأمر كيت وكيت ، وبدا لنا الرأي . وقال اللّه عزّ وجلّ : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ( الزمر : 47 ) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا ( الجاثية : 33 ) فإذا صحّ ذلك ، وجب أن يكون البداء واقعا في العلم ( ق ، غ 6 / 2 ، 175 ، 12 ) - إنّا لا نجعل الأجل إلّا الوقت الذي يقتل فيه . وقد علمنا أنّه لا يجب القضاء بأنّه كان يموت في تلك الحال لو لم يقتله القاتل ، من حيث نقدر فنقول : كان يجوز لولا قتل القاتل له أن يكون الصلاح أن يعيش مدّة من الزمان ، كما لا يجب مثل ذلك فيمن مات بالغرق والهدم وسائر الأسباب التي يجوز أن يعيش لو لم تحدث . وإنّما كان يجب البداء لو خرج تعالى من أن يعلم بما كان عالما به ، أو ظهر له ما لم يكن عالما به ووجد من فعله ما يقتضي ذلك فيه . وتجويزنا أن يعيش مدّة لو لم يقتله القاتل ليس ببداء ، ولا يدلّ عليه ، فكيف يمنع من ذلك لهذه العلّة ، ولو جاز التعلّق بذلك فيما قال لجاز أن يقال فيمن مات ببعض الأسباب التي حدثت عند اختياره من غرق وهدم : إنّه يوجب البداء لو جوّزنا أن يبقى بعد ذلك لو لم يختر ذلك السبب ( ق ، غ 11 ، 7 ، 7 ) - قد بيّنا أنّ البداء هو الظهور ، فمتى ظهر للحيّ من حال الشيء ما لم يكن ظاهرا له ، إمّا بأن يعلمه ولم يكن من قبل عالما به ، أو بأن يظنّ وجه الصلاح فيه ولم يكن من قبل كذلك ، وصف بأنّه قد بدا له . ثم استعمله الناس في تغيّر العزوم والإرادات ، فقيل لمن لا يثبت على عزم واحد : إنّه ذو بدوات ، وقيل لمن يعد