سميح دغيم

177

موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي

قصرت ؟ كما يحسن أن نقول للظالم لم ظلمت ؟ وللكاذب لم كذبت ؟ فلولا أنّ أحدهما متعلّق بنا وموجود من جهتنا بخلاف الآخر ، وإلّا لما وجب هذا الفصل ، ولكان الحال في طول القامة وقصرها كالحال في الظلم والكذب ، وقد عرف فساده ( ق ، ش ، 332 ، 9 ) - طريقة أخرى في أنّ أفعال العباد غير مخلوقة فيهم وأنّهم المحدثون لها . وتحريرها هو أنّ هذه التصرّفات يجب وقوعها بحسب قصودنا ودواعينا ويجب انتفاؤها بحسب كراهتنا وصارفنا مع سلامة الأحوال إمّا محقّقا وإمّا مقدّرا ، فلولا أنّها محتاجة إلينا ومتعلّقة بنا وإلّا لما وجب ذلك فيها ، لأنّ هذه الطريقة تثبت احتياج الشيء إلى غيره ، كما يعلم احتياج المتحرّك إلى الحركة ، والساكن إلى السكون ؛ وهي هذه الدلالة المعتمدة ، وما تقدّم كان على طريق الإلزام . وقولنا في هذه التصرّفات أنّه يجب وجودها بحسب قصدنا ودواعينا ، ويجب انتفاؤها عند كراهتنا وصارفنا ، فالمراد به طريقة الاستمرار ، لا ما نقوله في كون الجسم متحرّكا وأنّه يجب عند وجود الحركة . وقولنا مع سلامة الأحوال ، فالمراد به خلوص الدواعي وزوال الموانع . وقولنا إمّا محقّقا ، فالمراد به فعل العالم لما يفعله ، فإنّه يجب وجوده بحسب قصده وداعيه تحقيقا . وقولنا وإمّا مقدّرا ، فالمراد به فعل الساهي ، فإنّ فعله وإن لم يقع بحسب قصده محقّقا ، فهو واقع بحسبه مقدّرا ، فإنّا لو قدّرنا أن يكون له داع لكان لا يقع فعله إلّا موقوفا عليه وبحسبه . إذا ثبت هذا ، فالذي يدلّ على أنّ هذه التصرّفات يجب وقوعها بحسب قصدنا وداعينا هو ، أنّ أحدنا إذا دعاه الداعي إلى القيام ، حصل منه القيام على طريقة واحدة ووتيرة مستمرّة ، بحيث لا يختلف الحال فيه . وكذلك فلو دعاه الداعي إلى الأكل بأن يكون جائعا وبين يديه ما يشتهيه ، فإنّه يقع منه الأكل على كل وجه ، ولا يختلف الحال في ذلك . وهذه أمارة كونه موقوفا على دواعينا ويقع بحسبها . وكما أنّها تقع بحسب دواعينا وتقف عليها ، فقد تقف على قصودنا أيضا ، وعلى آلاتنا ، وعلى الأسباب الموجودة من قبلنا ، ألا ترى أنّ قوله : محمد رسول اللّه ، لا تنصرف إلى محمد بن عبد اللّه دون غيره من المحمدين ولا يكون خبرا عنه إلّا بقصده ، وكذلك الكتابة لا تحصل منه إلّا إذا علمها ، ولا يكفي ذلك حتى يكون مستكملا للآلات التي تحتاج الكتابة إليها نحو القلم وغيره ، وأيضا فإنّ الألم يقع بحسب الضرب الموجود من جهته ، يقلّ بقلّته ويكثر بكثرته ، فصحّ حاجة هذه التصرّفات إلينا وتعلّقها بنا على الحدّ الذي ادعيناه ( ق ، ش ، 336 ، 15 ) - أمّا أفعال العباد فعلى ضربين : أحدهما له صفة زائدة على حدوثه وصفة جنسه ، والآخر ليس له صفة زائدة على ذلك ، وما هذا سبيله فإنّه تعالى لا يريده ولا يكرهه . وما له صفة زائدة على حدوثه وصفة جنسه فعلى ضربين : أحدهما قبيح والآخر حسن ، فما كان قبيحا فإنّه لا يريده البتّة بل يكرهه ويسخطه . وما كان حسنا فهو على ضربين : أحدهما له صفة زائدة على حسنه ، والآخر ليس له صفة زائدة على حسنه . وهذا الثاني إنّما هو المباح ، واللّه تعالى لا يجوز أن يكون مريدا له على ما سنبيّنه من بعد إن شاء اللّه تعالى . وأمّا الأول ، وهو ما يكون له صفة زائدة على حسنه فهو الواجب