رفيق العجم
11
موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني
مكانه عن مكان الكرسي الأول ، وتهوي أفئدة الناس إليه من أجل الدولة والسلطان ، فينتقل إليه العمران ويخفّ من مصر الكرسيّ الأول ، والحضارة إنّما هي توفّر العمران كما قدّمناه ، فتنتقص حضارته وتمدّنه ، وهو معنى اختلاله . وهذا كما وقع للسلجوقية في عدولهم بكرسيّهم عن بغداد إلى أصبهان ، وللعرب قبلهم في العدول عن المدائن إلى الكوفة والبصرة ، ولبني العباس في العدول عن دمشق إلى بغداد ، ولبني مرين بالمغرب في العدول عن مراكش إلى فاس . وبالجملة فاتّخاذ الدولة الكرسي في مصر يخل بعمران الكرسي الأول . ( مقد 2 ، 894 ، 18 ) - إنّ الدولة المتجدّدة إذا غلبت على الدولة السابقة لا بدّ فيها من تتبّع أهل الدولة السابقة وأشياعها بتحويلهم إلى قطر آخر يؤمن فيه غائلتهم على الدولة . وأكثر أهل المصر الكرسيّ أشياع الدولة ، إمّا من الحامية الذين نزلوا به أوّل الدولة أو من أعيان المصر ، لأنّ لهم في الغالب مخالطة للدولة على طبقاتهم وتنوّع أصنافهم ، بل أكثرهم ناشئ في الدولة فهم شيعة لها ، وإن لم يكونوا بالشوكة والعصبيّة فهم بالميل والمحبّة والعقيدة . وطبيعة الدولة المتجدّدة محو آثار الدولة السابقة . فتنقلهم من مصر الكرسيّ إلى وطنها المتمكّن في ملكتها ، فبعضهم على نوع التغريب والحبس ، وبعضهم على نوع الكرامة والتلطّف بحيث لا يؤدي إلى النّفرة ، حتى لا يبقى في مصر الكرسيّ إلّا الباعة والهمل من أهل الفلح والعبارة وسواد العامّة ، وتنزل مكانهم من حاميتها وأشياعها من يشتدّ به المصر . وإذا ذهب من مصر أعيانه على طبقاتهم نقص ساكنه وهو معنى اختلال عمرانه . ثم لا بدّ من أن يستجد عمران آخر في ظلّ الدولة الجديدة وتحصل فيه حضارة أخرى على قدر الدولة . وإنّما ذلك بمثابة من له بيت على أوصاف مخصوصة فأظهر من قدرته على تغيير تلك الأوصاف وإعادة بنائها على ما يختاره ويقترحه ، فيخرب ذلك البيت ، ثم يعيد بناءه ثانيا . وقد وقع من ذلك كثير في الأمصار التي هي كراسيّ للملك وشهدناه وعلمناه . ( مقد 2 ، 895 ، 10 ) أخلاق البشر وتأثّرها بالهواء - أثر الهواء في أخلاق البشر : قد رأينا من خلق السودان على العموم الخفّة والطيش وكثرة الطرب ، فتجدهم مولعين بالرقص على كل توقيع ، موصوفين بالحمق في كل قطر . والسبب الصحيح في ذلك أنّه تقرّر في موضعه من الحكمة أنّ طبيعة الفرح والسرور هي انتشار الروح الحيواني وتفشيه ، وطبيعة الحزن بالعكس ، وهو انقباضه وتكاثفه ، وتقرّر أنّ الحرارة مفشية للهواء والبخار مخلخلة له زائدة في كميته . ولهذا يجد المنتشي من الفرح والسرور ما لا يعبّر عنه ، وذلك بما يداخل بخار الروح في القلب من الحرارة الغريزيّة التي تبعثها سورة الخمر في الروح من مزاجه ، فيتفشّى