محمد علي التهانوي

1082

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم

وسع العباد فأمرنا أن نوكّل ذلك إلى اللّه تعالى كما في شرح التأويلات « 1 » . وفي المغني معناه العطف كما مر . فائدة : الصلاة على النبي واجب شرعا وعقلا . أمّا شرعا فلقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ . وأمّا عقلا فلأنّ استفادة القابل من المبدأ تتوقّف على مناسبة بينهما ، وهذه المقدّمة ضرورية مذكورة في براهين العلوم الحقيقية التي لا تتغيّر بتبدّل الملل والأديان وإن وقع فيها نوع خفاء بالنسبة إلى الأذهان القاصرة . ألا ترى أنّه كلما كانت المناسبة بين المعلّم والمتعلّم أقوى كانت استفادة المتعلّم منه أكثر ، وكلّما كان الحطب أيبس كان أقبل للاحتراق من النار بسبب المناسبة في اليبوسة . ولذا كان الأدوية أشدّ تأثيرا في الأبدان المتسخّنة . ولهذه المقدمة أمثلة لا تكاد تنحصر . ولا شك أنّ النّفس الناطقة في الأغلب منغمسة في العلائق البدنية أي متوجّهة إلى تدبير البدن وتكميله بالكلية مكدّرة بالكدورات الطبيعية الناشئة من القوة الشهوية ، وذات المفيض عزّ اسمه في غاية التّنزّه عنها فليست بينهما بسبب ذلك مناسبة يترتّب عليها فيضان كمال . فلا جرم وجب عليها الاستعانة في استفاضة الكمالات من تلك الحضرة المنزّهة بمتوسّط يكون ذا جهتين : التجرّد والتعلّق ، ويناسب بذلك كلّ واحد من طرفيه باعتبار حتى يقبل ذلك المتوسّط الفيض عن المبدأ الفيّاض بتلك الجهة الروحانية التجرّدية ، وتقبل النفس منه أي من ذلك المتوسّط الفيض بهذه الجهة الجسمانية التعلّقية ؛ فوجب لنا التوسّل في استحصال الكمالات العلمية والعملية إلى المؤيّد بالرئاستين الدينية والدنيوية ، مالك أزمّة الأمور في الجهتين التجرّدية والتعلّقية ، وإلى أتباعه الذين قاموا مقامه في ذلك بأفضل الفضائل ، أعني الصلاة عليه أصالة وعليهم تبعا ، والثناء عليه بما هو أهله ومستحقّه من كونه سيّد المرسلين وخاتم النبيين ، وعليهم بكونهم طيّبين طاهرين عن رجس البشرية وأدناسها . فإن قيل هذا التوسّل إنّما يتصوّر إذا كانوا متعلّقين بالأبدان ، وأمّا إذا تجرّدوا عنها فلا ، إذ لا جهة مقتضية للمناسبة . قلنا يكفيه « 2 » أنّهم كانوا متعلّقين بها متوجّهين إلى تكميل النفوس الناطقة بهمة عالية ، فإنّ أثر ذلك باق فيهم . ولذلك كانت زيارة مراقدهم معدّة لفيضان أنوار كثيرة منهم على الزائرين كما يشاهده أصحاب البصائر ويشهدون به . وقد قال الشيخ عبد الحقّ الدهلوي رحمة اللّه عليه في كتاب : « مدراج النبوّة » في بيان وجوب الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من قبل أمته : إنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد أحسن إلينا بهدايتنا ، ومنحنا الأمل بشفاعته في الآخرة . ولهذا أمرنا سبحانه وتعالى بقضاء حقّه علينا في إحسانه إلينا في الدنيا كما أمرنا بالتقرّب منه والارتباط الباطني به بسبب رجاء شفاعته في الآخرة ، وقد علم اللّه منّا سبحانه العجز عن أداء حقّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لهدايتنا في الدنيا ، وكذلك عدم قدرتنا على تحصيل وسائل القرب من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من أجل نوال شفاعته في الآخرة . لذلك فإنّه أمرنا بالدّعاء له والاتّكال على اللّه والطلب إليه أن يبلّغ عنا نبيه ذلك الدّعاء ، وطلب الرحمة كما هو لائق بجنابه ومقامه .

--> ( 1 ) شرح كتاب التأويلات : لعلاء الدين المنصور محمد بن أحمد السمرقندي ، أبو بكر ( - 538 ه ) . وكتاب التأويلات هو كتاب تأويلات القرآن للماتريدي ( - 333 ه ) بروكلمان ، ج 6 ، ص 296 - 297 ( 2 ) يكفيهم ( م )