محمد علي التهانوي
1072
موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم
له بل لمدلوله لأنّا نقول الدلالة على الحكم كاف في كون الكلام خبرا . فالخبر ما يدلّ على التصديق سواء تخلّف المدلول أو لا ، ولولا ذلك لم يوجد خبر كاذب على هذا المذهب لأنّ الخبر الكاذب ما خالف مدلوله اعتقاد المخبر فلا اعتقاد للمخبر بخبره ولا تصديق به فلا يكون كاذبا ، لأنّه مختصّ بالخبر . واحتج النّظّام بقوله تعالى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ « 1 » كذّبهم في قولهم إنّك لرسول اللّه مع مطابقته للخارج لأنّه لم يطابق اعتقادهم . والجواب أنّ المعنى لكاذبون في الشهادة . وقال الجاحظ صدق الخبر مطابقته للواقع مع الاعتقاد بأنّه مطابق وكذبه عدم مطابقته للواقع مع اعتقاد أنّه غير مطابق ، وغيرهما ليس بصدق ولا كذب وهو المطابقة مع اعتقاد اللامطابقة أو بدون الاعتقاد ، وعدم المطابقة مع اعتقاد المطابقة أو بدون الاعتقاد . فكلّ من الصدق والكذب بتفسيره أخصّ منه بتفسير الجمهور والنّظّام لأنّه اعتبر في كلّ منهما جمع الأمرين الذين اكتفوا بواحد منهما . وصدق المتكلّم مطابقة خبره للواقع والاعتقاد وكذبه عدمها . واستدلّ الجاحظ بقوله تعالى أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ « 2 » ، فإنّ الكفّار حصروا أخبار النبي عليه السلام بالحشر والنّشر في الافتراء والأخبار حال الجنّة على سبيل منع الخلو ؛ ولا شكّ أنّ المراد « 3 » بالثاني غير الكذب لأنّه قسيمه ، وغير الصدق لأنّهم اعتقدوا عدمه . وردّ بأنّ المعنى أم لم يفتر فعبّر عنه أي عن عدم الافتراء بالجنّة لأنّ المجنون يلزمه أن لا افتراء له لأنّ الكذب عن عمد ولا عمد للمجنون ، فيكون هذا حصرا للخبر الكاذب في نوعيه أعني الكذب عن عمد والكذب لا عن عمد . فائدة : اعلم أنّ المشهور فيما بين القوم أنّ احتمال الصدق والكذب من خواص الخبر لا يجري في غيره من المركبات المشتملة على نسبة . وذكر بعضهم أنّه لا فرق بين النسبة في المركّب الأخباري وغيره إلّا بأنّه إن عبّر عنها بكلام تام يسمّى خبرا وتصديقا كقولنا : زيد انسان أو فرس ، وإلّا يسمّى مركّبا تقييديا وتصوّرا كما في قولنا يا زيد الإنسان أو الفرس . وأيا ما كان فالمركّب إمّا مطابق فيكون صادقا أو غير مطابق فيكون كاذبا . فيا زيد الإنسان صادق ويا زيد الفرس كاذب ويا زيد الفاضل محتمل . وردّه المحقّق التفتازاني بما حاصله أنّه إن أراد هذا البعض أنّه لا فرق بينهما أصلا فليس بصحيح لوجوب علم المخاطب بالنسبة في المركّب التقييدي دون الأخباري ، حتى قالوا إنّ الأوصاف قبل العلم بها أخبار كما أنّ الأخبار بعد العلم بها أوصاف . وإن أراد أنّه لا فرق بينهما بحسب احتمال الصدق والكذب فكذلك لما ذكره الشيخ من أنّ الصدق والكذب إنّما يتوجهان إلى ما قصده المتكلّم إثباته أو نفيه ، والنسبة [ الوصفية ] « 4 » ليست كذلك . ولو سلّم فإطلاق الصدق والكذب على المحرك الغير التام مخالف لما هو المعتمد في تفسير الألفاظ ، أعني اللغة والعرف . وإن أراد تجديد اصطلاح فلا مشاحة فيه .
--> ( 1 ) المنافقون / 1 ( 2 ) سبأ / 8 ( 3 ) المقصود ( م ، ع ) ( 4 ) الوصفية ( + م ، ع )