محمد علي التهانوي

1238

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم

وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي « 1 » الآية أي جبرئيل كما في قراءة ابن مسعود كذا في الاتقان . العمى : [ في الانكليزية ] Blindness [ في الفرنسية ] Cecite ، aveuglement بفتح العين والميم لغة عدم البصر عمّا من شأنه أن يكون بصيرا . فالحجر لا يتّصف بالعمى . وعند الصوفية عبارة عن حقيقة الحقائق التي لا تتصف بالحقيقة ولا بالخلقية ، فهي ذات محض لأنّها لا تضاف إلى مرتبة لا حقية ولا خلقية ، فلا تقتضي لعدم الإضافة وصفا ولا اسما . وهذا معنى قوله عليه السلام : إنّ العمي ما فوقه هواء وما تحته هواء « 2 » ، يعني لا حقّ ولا خلق ، فصار العمى مقابلا للأحدية . فكما أنّ الأحدية تضمحلّ فيها الأسماء والصفات ولا يكون لشيء فيها ظهور ، كذلك العمي ليس لشيء من ذلك فيه مجال ولا ظهور . فالفرق بين العمى والأحدية أنّ الأحدية حكم الذات في الذات بمقتضى التعالي وهو الظهور الذاتي الأحدي ، والعمى حكم الذات بمقتضى الإطلاق ، فلا يفهم منه تعال ولا تدان وهو البطون الذاتي العمائي ، فهي مقابلة للأحدية ، تلك صرافة الذات بحكم التجلّي وهذه صرافة الذات بحكم الاستتار ، فتعالى اللّه أن يستتر عن نفسه من تجلّ ويتجلّى لنفسه عن الاستتار ، هو على ما يقتضيه ذاته من التجلّي والاستتار والبطون والظهور والشؤون والنّسب والاعتبارات والإضافات والأسماء والصفات ، لا يتغيّر ولا يتحوّل ولا يلتبس شيئا ، بل حكم ذاته هو ما عليه منذ كان ، ولا يكون إلّا على ما كان ، لا تبديل لخلق اللّه أي لوصف اللّه الذي هو عليه ، إنّما هو بحكم ما يتجلّى به علينا ويظهر به لنا وهو في نفسه على ما هو عليه من الأمر الذي كان له قبل تجليه علينا وظهوره لنا ، وبعد ذلك فهو على ذلك الحكم . لا يقبل ذاته إلّا التجلّي الذي هو عليه ، فليس له إلّا تجلّ واحد ، وليس للتجلّي الواحد إلّا اسم واحد ، وليس للاسم الواحد إلّا وصف واحد ، وليس للجميع إلّا واحد غير متعدّد ، فهو متجلّ لنفسه في الأزل بما هو متجلّ له في الأبد . وبالجملة فإنّ هذا التجلّي الذاتي الذي هو عليه جامع لأنواع التجلّيات البواقي لا يمنعه كونه في هذا التجلّي أن يتجلّى بتجلّ آخر . لكن حكم التجلّيات الأخر تحته كحكم الأنجم تحت الشمس موجودة معدومة ، على أنّ نور الأنجم في نفسها من نور الشمس ، وكذلك باقي التجلّيات الإلهية إنّما هي رشحة من سماء هذا التجلّي وقطرة من بحره . ثم اعلم بعد أن أعلمناك أنّ العمى هو نفس الذات باعتبار الإطلاق في البطون والاستتار وأنّ الأحدية هي نفسه باعتبار التعالي في الظهور والتجلّي مع وجوب سقوط الاعتبارات فيها . وقولي باعتبار الظهور واعتبار الاستتار إنّما هو لإيصال المعنى إلى فهم السامع ، لا أنّه من حكم العمى اعتبار البطون أو من حكم الأحدية اعتبار الظهور فافهم . اعلم أنّ هذا التجلّي الواحد هو المستأثر الذي لا يتجلّى به لغيره ، فليس للخلق فيه نصيب البتّة البتّة ، لأنّ هذا التجلّي لا يقبل الاعتبار ولا الانقسام ولا الإضافة ولا الأوصاف ونحوها . ومتى كان لخلق فيه نسبة احتاجت إلى اعتبار أو نسبة أو وصف ، وكلّ هذا ليس من حكم هذا التجلّي الذي هو عليه في ذاته من الأزل إلى الأبد ، كذا في الانسان الكامل . ويقول في لطائف اللغات : العمى في

--> ( 1 ) آل عمران / 39 ( 2 ) سنن الترمذي ، كتاب تفسير القرآن ، باب من سورة هود ، ح 3109 ، 5 / 288 . عندما سئل صلّى اللّه عليه وسلم عن مكان رب العالمين قبل خلقه الخلق قال : ( كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء )