محمد علي التهانوي
1209
موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم
فيه . قال علي بن المديني « 1 » : الباب إذا لم يجمع طرقه لم يتبيّن خطأه . وبالجملة فهو من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقّها ولا يقوم به إلّا من رزقه اللّه فهما ثابتا وحفظا واسعا ومعرفة تامة بمراتب الرواة وملكة قوية بالأسانيد والمتن . ولهذا لم يتكلّم فيه إلّا قليل من أهل هذا الشأن كعلي بن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري والدارقطني ويعقوب « 2 » ونحوهم . وقد يقصر عبارة المعلّل عن إقامة الحجّة على دعواه كصيرفي نقد الدراهم والدنانير حتى قال البعض إنّه إلهام لو قلت له من أين قلت هذا لم يكن له حجة . وقد تطلق العلّة عندهم على غير المعنى المذكور ككذب الرّاوي وفسقه وغفلته وسوء حفظه ونحوها من أسباب ضعف الحديث كالتدليس . والترمذي يسمّي النّسخ علّة . قال السخاوي فكأنّه أراد علّة مانعة من العمل لا الاصطلاحية . وأطلق بعضهم على مخالفة لا تقدح في الصحة كإرسال ما وصله الثّقة حتى قال : من الصحيح ما هو معلّل ، كما قال آخر : من الصحيح ما هو شاذ . هذا خلاصة ما في شرح النخبة وشرحه وخلاصة الخلاصة . ومنها ما يسمّى علّة عقلية وهي في اصطلاح الحكماء ما يحتاج إليه الشيء إمّا في ماهيته كالمادة والصورة أو في وجوده كالغاية والفاعل والموضوع ، وذلك الشيء المحتاج يسمّى معلولا ، وهذا أولى مما قيل العلّة ما يحتاج إليه الشيء في وجوده لعدم توهّم خروج علّة الماهية عنه . وإنّما قلنا الأولى لأنّ علّة الماهية لا تخرج عن هذا التعريف أيضا لأنّ المعلول المركّب من المادة والصورة يتوقّف وجوده أيضا عليهما ، وتوقّف الماهية عليهما لا ينافي ذلك . إن قيل يخرج من التعريفين علّة العدم ، قلت العلّية في العدم مجرّد اعتبار عقلي مرجعه عدم علّية الوجود للوجود . ثم المحتاج إليه أعمّ من أن يكون محتاجا إليه بنفسه أو باعتبار أجزائه ، فيشتمل التعريف العلّة التامة المركّبة من المادة والصّورة والفاعل فإنّه محتاج إليه باعتبار الفاعل . وأمّا ذاته أعني المجموع فهو محتاج إلى مجموع المادة والصّورة الذي هو عين المعلول احتياج الكلّ إلى جزئه . ثم العلّة على قسمين علّة تامّة وتسمّى علة مستقلّة أيضا ، وعلّة غير تامة وتسمّى علة ناقصة وغير مستقلّة . فالعلّة التامة عبارة عن جميع ما يحتاج إليه الشيء في ماهيته ووجوده أو في وجوده فقط كما في المعلول البسيط ، والناقصة ما لا يكون كذلك ، ومعناه أن لا يبقى هناك أمر آخر يحتاج إليه لا بمعنى أن تكون مركّبة من عدة أمور البتّة ، وذلك لأنّ العلّة التامة قد تكون علّة فاعلية إمّا وحدها كالفاعل الموجب الذي صدر عنه بسيط إذا لم يكن هناك شرط يعتبر وجوده ، ولا مانع يعتبر عدمه ، وإمّا إمكان الصادر فهو معتبر في جانب المعلول ، ومن تتمته ، فإنّا إذا وجدنا ممكنا طلبنا علّته ، فكأنّه قيل العلّة ما يحتاج إليه الشيء الممكن الخ فلا يعتبر في جانب العلّة . وأمّا التأثير والاحتياج والوجود المطلق الزائد على ذاته تعالى
--> ( 1 ) هو علي بن عبد اللّه بن جعفر السعدي المديني البصري ، أبو الحسن . ولد بالبصرة عام 161 ه / 777 م ، وتوفي في سامراء عام 234 ه / 849 م . محدّث مؤرخ ، من الحفاظ ، له العديد من المؤلفات . الاعلام 4 / 303 ، تذكرة الحفاظ 2 / 15 ، تهذيب التهذيب 7 / 349 ، طبقات الحنابلة 168 ، ميزان الاعتدال 2 / 229 . ( 2 ) هو يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح العبدي ، أبو يوسف الدّورقي . ولد عام 166 ه / 782 م ، وتوفي عام 252 ه / 866 م . محدّث العراق في عصره ، ثقة حافظ ، أخذ عنه أئمة السنة ، له عدة مؤلفات . الاعلام 8 / 194 ، تذكرة الحفاظ 2 / 80 ، التاج 6 / 343 ، تهذيب 11 / 381 .