محمد علي التهانوي

1196

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم

الوحدة . ويقول في لطائف اللغات : العقل هو عبارة عن النّور المحمدي صلّى اللّه عليه وسلّم . « 1 » . وفي الإنسان الكامل العقل الأول هو محلّ تشكيل العلم الإلهي في الوجود لأنّه العلم الأعلى ثم ينزل منه العلم إلى اللوح المحفوظ ، فهو إجمال اللوح واللوح تفصيله ، بل هو تفصيل علم الإجمال الإلهي واللوح محلّ تنزّله . ثم العقل الأول من الأسرار الإلهية ما لا يسعه اللوح كما أنّ اللوح من العلم الإلهي ما لا يكون العقل الأول محلا له ، فالعلم الإلهي هو أمّ الكتاب والعقل الأول هو الإمام المبين واللوح هو الكتاب المبين ، فاللوح مأموم بالقلم تابع له ، والقلم الذي هو العقل الأول حاكم على اللوح مفصّل للقضايا المجملة في دواة العلم الإلهي المعبّر عنها بالنون . والفرق بين العقل الأول والعقل الكلّ وعقل المعاش أنّ العقل الأول بعد علم إلهي ظهر في أول تنزلاته التعيينية الخلقية . وإن شئت قلت أول تفصيل الإجمال الإلهي . ولذا قال عليه الصلاة والسلام ( أنّ أول ما خلق اللّه تعالى العقل ) « 2 » فهو أقرب الحقائق الخلقية إلى الحقائق الإلهية ، والعقل الكلّ هو القسطاس المستقيم وهو ميزان العدل في قبّة الروح للفصل . وبالجملة فالعقل الكلّ هو العاقلة أي المدركة النورية التي ظهر بها صور العلوم المودعة في العقل الأول . ثم إنّ عقل المعاش هو النور الموزون بالقانون الفكري فهو لا يدرك إلّا بآلة الفكر ، ثم إدراكه بوجه من وجوه العقل الكلّ فقط لا طريق له إلى العقل الأوّل ، لأنّ العقل الأوّل منزّه عن القيد بالقياس وعن الحصر بالقسطاس ، بل هو محلّ صدور الوحي القدسي إلى نوع النفس ، والعقل الكلّ هو الميزان العدل للأمر الفصلي ، وهو منزّه عن الحصر بقانون دون غيره ، بل وزنه للأشياء على معيار وليس لعقل المعاش إلّا معيار واحد وهو الفكر وكفّة واحدة وهي العادة وطرف واحد وهو المعلوم وشوكة واحدة وهو الطبيعة ، بخلاف العقل الكلّ فإنّ له كفّتين الحكمة والقدرة ، وطرفين الاقتضاءات الإلهية والقوابل الطبعية ، وشوكتين الإرادة الإلهية والمقتضيات الخلقية ، وله معاير شتّى . ولذا كان العقل الكلّ هو القسطاس المستقيم لأنّه لا يحيف ولا يظلم ولا يفوته شيء بخلاف عقل المعاش فإنّه قد يحيف ويفوته أشياء كثيرة لأنّه على كفة واحدة وطرف واحد . فنسبة العقل الأول مثلا نسبة الشمس ، ونسبة العقل الكلّ نسبة الماء الذي وقع فيه نور الشمس ، ونسبة عقل المعاش نسبة شعاع ذلك الماء إذا بلغ على جدار ، فالناظر في الماء يأخذ هيئة الشمس على صحته ويعرف نوره على حليته كما لو رأى الشمس لا يكاد يظهر الفرق بينهما ، إلّا أنّ الناظر إلى الشمس يرفع رأسه إلى العلو والناظر إلى الماء ينكس رأسه إلى السفل ، فكذلك الآخذ علمه من العقل الأول يرفع بنور قلبه إلى العلم الإلهي ، والآخذ علمه من العقل الكلّ ينكس بنور قلبه إلى المحلّ الكتاب فيأخذ منه العلوم المتعلّقة بالأكوان وهو الحدّ الذي أودعه اللّه في اللوح المحفوظ ، إمّا يأخذ بقوانين الحكمة وإمّا بمعيار القدرة على قانون وغير قانون ، فهذا الاستقراء منه انتكاس لأنّه من اللوازم الخلقية الكلّية لا يكاد يخطئ إلّا فيما استأثر اللّه به بخلاف العقل الأول فإنّه يتلقّى من الحقّ بنفسه . اعلم أنّ العقل الكلّ قد يستدرج به أهل الشقاوة فيقبح عليهم أهويتهم فيظفرون على أسرار القدرة من تحت سجف الأكوان كالطبائع والأفلاك والنور والضياء وأمثالها ، فيذهبون إلى عبادة هذه الأشياء ، وذلك بمكر اللّه لهم . والنكتة

--> ( 1 ) ودر لطائف اللغات ميگويد عقل عبارت از نور محمدي است صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . ( 2 ) السيوطي ، اللآلئ المصنوعة 1 / 68 .