محمد علي التهانوي

مقدمة 36

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم

تقعدت على أساس الردّ إلى الأوزان ، ومن الأوزان إلى التفعيلات الأساسية ومن التفعيلات الأساسية إلى المسلّمات ، أي الثلاثي البسيط فعلا أو مصدرا . وهذا يشابه تماما حركة ( الاكسيوم ) البديهيات في الرياضيات الحديثة ، وعملية الردّ إلى مسلمات أولى يستند إليها النسق في نظم معيّن . ولا غرابة في مقارناتنا هذه لأنّ الهدف دفع الذهن نحو اكتشاف العلاقات الصورية ، بالرغم من المماثلة بين منطق اللغة ومنطق العلوم . والمصطلح يرافق اللغة وبنيانها النحوي ، ويلحّ مبرزا إشكالية في أثناء اتصال الثقافات ببعضها وتلاقحها كمحاولة الغزالي « 1 » . ولنا محطات بارزة في تاريخ اللغة العربية وروادا أوائل ، تابع الآخرون خطاهم ، مثل الكندي والفارابي قديما ، والطهطاوي والبستاني حديثا . وقد شق هؤلاء وغيرهم دربا تعزّز ، ثم انجمع في معاجم اختصت بالاصطلاحات . وفي الزمن المعاصر أشير إلى إلحاح المعنى الحادث المستجدّ ، وأنّه يجنّ الكثير من الفعالية وعناصر التأثير في الفكر والعمل . لكن العودة إلى الأصل الثلاثي ، البعد العمقي للبنيان ، لم يلق انتباها عند البعض ، بمثل ما تعتم ما تحصّل من مصطلح عند هذا البعض ، فغدا المصطلح العصري تفلّتا من غير ضابط ، فأدّى إلى عدم تأثيره في الذهنية ، بل انتشر على وضع من التباين اللفظي في المفهوم الواحد . وهذا الأمر تشهده كثيرا عمليات الترجمة والنقل الحالية . علما أنّ المصطلحات تخصّ اللسان وتطال المعنى ، وهي في خاصية اللسان تكتسي صيغة العربية كسوة فتوسم بميسم أبعادها ، وهي في محاولة إصابة المعنى تتعدّى كسوتها الخاصة لتنجمع على تصور يتعدّى دلالة اللسن . وكأن الفارابي وعى صعوبة ذلك والإشكالية فقال : علم اللسان ضربان : « حفظ الألفاظ الدالة عند أمة ما وعلم ما يدلّ على شيء شيء منها . والثاني علم قوانين تلك الألفاظ . والقوانين في كل صناعة أقاويل كلية أي جامعة . . . » « 2 » . وكما ذكرنا من أنّ الدلالة العربية سارت مسارا طويلا ، تنبّه له علماء أفاضل ، فوضعوا جوامع أو معاجم لهذه المصطلحات ، بعد أنّ تخطّت دلالات اللفظ مسارا

--> ( 1 ) تميزت محاولة الغزالي بطبع المعاني المنطقية اليونانية بطبع العربية ، حتى كادت المعاني تغترب أحيانا عن بعدها اليوناني آخذة الطبع العربي بخصوصيته والأبعاد للتوسع : العجم ، رفيق ، المنطق عند الغزالي في أبعاده الأرسطوية وخصوصياته الاسلامية ، بيروت ، دار المشرق ، 1989 . ( 2 ) الفارابي ، احصاء العلوم ، القاهرة ، ط 1949 ، ص 3 - 4 .