محمد علي التهانوي
مقدمة 29
موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم
بالشرائع التي وضعها . . . وكذلك إذا حدثت الفلسفة احتاج أهلها ضرورة إلى أن ينطقوا عن معان لم تكن عندهم معلومة قبل ذلك ، فيفعلون فيها أحد ذينك » « 1 » . ومفاد عملية النطق بالمعاني الفلسفية استخدام ألفاظ مستحدثة تخصّ هذه المعاني ، أو نقل أسماء قريبة الشبه في دلالاتها إلى هذه المعاني . وفي الحالين اعطاء لفظ محدد لمعنى فلسفي محدّد « 2 » . إلا أنّ العملية هنا تتميّز فيها العربية بخصوصياتها اللسنية ، في كونها غير قابلة على احداث قطع معرفي بين اللفظ وأصله أو جذره ، فعلا أو مصدرا ، سيرورة دلالية أو بنية معرفية مضمرة . فهي أشبه بتكوين عضوي منها إلى آلية . وقيل بحسب ما يتابع الجرجاني في التعريفات : « والاصطلاح إخراج الشيء عن معنى لغوي إلى معنى آخر لبيان المراد » . وهذا الأمر يشير إلى دخول مصطلحات الصوفية وبعض التعابير الفلسفية والحكمية بمعانيها الخاصة ، وإلباسها أسماء وألفاظ عربية . وهذا الأمر حدث في العربية وضمن التاريخ الاسلامي ، وكان يحمل في باطنه اسقاطات لمعاني فارسية زرادشتية ومانوية ، ولمعاني أفلاطونية محدثة ملفّقة من شوائب هرمسية ويونانية قديمة وغنوصية ، بيد أن العاملين في المجال العقلي أو البياني تنبّهوا للمسألة ولفتوا النظر إليها . ففي المجال البياني قيل : « لا يحل لأحد صرف لفظة معروفة المعنى في اللغة عن معناها الذي وضعت له في اللغة التي بها خاطبنا اللّه تعالى في القرآن ، إلى معنى غير ما وضعت له ، إلا أن يأتي نص قرآن أو كلام عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو إجماع من علماء الأمة كلها على أنّها مصروفة عن ذلك المعنى إلى غيره ، أو يوجب صرفها ضرورة حسن أو بديهة عقل . . . » « 3 » . وفي المجال العقلي لم يلبث ابن باجة ( 475 - 533 ه ) أن شرح بعد العقل الذي شقته التجربة المغربية العربية ، فيذكر في ( تدبير المتوحد ) ، أنّ التوحّد مميّز من التصوف . فالتوحّد سلوك عقلي يهدف إلى اكتساب المعرفة النظرية ومركز الإنسان فيه . إنّ الكشف الصوفي مجرّد وهم وحالة نفسية ناتجة عن تجنيد قوى النفس الثلاث
--> ( 1 ) الفارابي ، كتاب الحروف ، تحقيق محسن مهدي ، بيروت ، دار المشرق ، 1970 ، ص 157 . ( 2 ) جهامي ، جيرار ، الاشكالية اللغوية في الفلسفة العربية ، بيروت ، دار المشرق ، 1994 ، الفصل الأول . ( 3 ) ابن حزم ، الفصل في الملل والأهواء والنحل ، طبعة مصر ، مجهول ، ج 3 ، ص 50 .