محمد علي التهانوي
مقدمة 19
موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم
ولا ضير إن مررنا لماما على بعض هذه التوضيحات والتعريفات لتبيان علاقة المفاهيم والمعاني باللسان ، وكيفية بناء الصياغة اللفظية والحكم على حقيقة من الحقائق أو تصور اصطلاح من المصطلحات فيما يخصّ الانسان ، أنّى كان زمانه أو مكانه ، ولا سيما أن لغة العلوم تعود للإنسانية جمعاء في سيرورتها والابداع . ومن ثمّ تنسكب في هذه اللغة أو تلك . حتى أن الاسميين بدءا بالرواقية وانتقالا إلى أهل البيان المسلمين وخاصة ابن تيمية ( 661 - 726 ه ) وصولا إلى الأوروبيين المعاصرين ، جعلوا الحقيقة العلمية ومحصلة التجارب والتصورات تقوم في الأسماء وتعرف من خلالها وبالألفاظ ، وان الحقيقة المتجسدة قائمة في الألفاظ ، فلا عجب أن ينكبوا انكبابا واسعا على بيان العلاقات المنطقية القائمة في قضايا اللغة وعلاقة المفردات والكلام . ولعلّ علم الدلالة أو حقل المعنى من أدق العلوم ، إذ هو يبحث في العلاقة بين المعنى والمبنى ، بينما ذهبت اللغويات الحديثة لدراسة العلاقة في داخل المبنى للغة . علما أن دراسة المبنى بما هو مبنى يساعد في فهم عمليات الصياغة وبناء العربية وبنيتها الشكلية . إلا أن دراسة عقل المعنى وعلم الدلالة متعلّق تعلقا مباشرا بموضوع تحقيقنا للكشاف . ولقد أدرك العرب والمسلمون أهمية هذه المباحث فاحتفلوا بعلمي أصول الفقه والمنطق احتفالا ظاهرا ، وذهب بعضهم إلى اعتبار تمايز العلوم في نفسها إنّما هو بتمايز الموضوعات . فصدّروا العلم بما عرف عندهم بالمبادئ والمقدمات . فكانت معرفة العلم بمعرفة حدّه تمييزا للمفهوم ، وبمعرفة الموضوع تمييزا للذات . والملفت للنظر أنّ للفظ الواحد والمصطلح الواحد أحيانا عدة مفاهيم وكثرة من المعاني ، حتى تكاد اللفظة الواحدة تضج في تشعّب دلالاتها . وهذا الأمر يسري في معظم اللغات وبحسب اختصاص كل علم وفن وتباين حقله عن الآخر . إلا أنّ دراسة معمّقة في علم الدلالات تكشف لنا عن ذاك الخيط المشترك بين الدلالات ، فتفتح الأفق أمام المحلّل والأناسي واللغوي لدراسة واسعة لطبع العربية وذهن ناطقيها وطبيعة تاريخ العلم وكيفية صدوره . ولهذا كله يمثّل كشاف المصطلحات عدة أدوار علمية ، فهو حلقة وصل واتصال لنحت المصطلح المستحدث . كما أنّه أرض خصبة لدراسة تاريخ العلم والموروث