محمد علي التهانوي

مقدمة 16

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم

إنّ المفردات والأسماء في محطات دلالتها والتعبير ، وإبّان النقلات الحضارية واجتياز اللفظة من مدلول إلى آخر ، بقيت على اتصال في الدلالة مع ما سبقها وبخيط مشترك من المعنى بين الاثنين . بينما سارت بعض اللغات مسارا آخر تمثّل في قطع دلالي مع مراحل سبقته . وأصبحت اللفظة رمزا وشكلا يطابق معنى حدث من غير رابط مع المعنى الذي كان قائما في تجربة سبقت . ولعلّ آلية بنية الساميات ، والعربية منها ، في استحداث الألفاظ والمصطلحات على تفعيلات وأوزان ترتدّ جميعها إلى الثلاثي ، منه تنطلق وإليه تعود ، قد فعلت فعلها وتركت طبعها في الحقل الدلالي للألفاظ ، ورسّخت أثر السيرورة التاريخية للأسماء في انبنائها واصطلاحها على معان مستجدة . ولم يعن ذلك أن لغات أخرى تفقد هذا الاتصال ، إنّما المقصود هنا ضعف السيرورة التاريخية في الحقل الدلالي للألفاظ عند لغات واشتداد ذلك في العربية . إنّ الأبحاث التي شغلت الأمم في عصور ازدهارها وانبثاق الكشوف العلمية لديها ، وتشعّب تجربتها الفكرية والوجدانية ، قد أغنت لغات هذه الأمم بالألفاظ والأسماء والمصطلحات ، فعبّرت اللغة تلك عن المعاني ، وتحدّدت تلك المعاني بخاصية هذه اللغة من دون سواها ، وبحسب الأقوام الذين تناوبت الحضارة والعلم على أيديهم . ولا مندوحة عن القول إن هذه المعاني حلقة ضرورية أدّت إلى ما بلغه العقل البشري من تطور وكشف . فسيرورة العلم حلقات متصلة بدأت بحاضرات ضفاف الأنهار لتمرّ باليونان والرومان ومن ثمّ العرب والمسلمين ، ولتنتقل بعد حين إلى أوروبا الحديثة بحضارتها ، وبالتالي ، امتدادها إلى أميركا والعالم ، في بوتقة عصرية مذهلة بلغ فيها العلم وأنماط المعرفة ووسائلها مبلغا مدهشا يرسّخ ذاك التطور والترقي للانسان واستخدامه الطبيعة لصالحه أفضل استخدام ، في عمل دءوب لراحته وسعادته وطول بقائه . وعند العودة إلى ما بدأناه كيف يمكن لهذه العلوم ومعانيها الحادثة عند الآخر أن تتحقّق عند العرب من غير أن تنسكب في وسائط ترسّخها في الفهم والأذهان ؟ . ومن غير اللغة القومية وسائط تطال الجمهور والمثقفين وتشمل العامة والخاصة ، فتحدث نقلة معرفية في الشعب ، بمثل ما تغتني هي كلغة قائمة وفاعلة ، إذ إن بقاء العلم منسكبا بلغة من صنع ذاك العلم يؤدّي إلى استقطاب النخب من أهل العربية ، لتتحوّل لغة