القاضي عبد الجبار الهمذاني

65

المنية والأمل

حتى كان يقبل القليل من زكاة اخوانه ، فحضره يوما بعض التجار ، فتكلم خضرته في خطبة نكاح ، فأعجب به ذلك التاجر ، فسأل عنه ، فأخبره بمسكنته ، فبعث إليه بخمسمائة دينار ، فردّها ، فقيل له : عذرناك في رد مال السلطان للشبهة ، وهذا تاجر ماله من كسبه ، فلا وجه لردّك . فقال جعفر : « إنه استحسن كلامي . . أفتراني أن آخذ على دعائي إلى اللّه وموعظتي ثمنا ؟ لو لم أكن فعلت هذا ثم ابتدائي لقبلت » . وروي أن بعض السلاطين وصله بعشرة آلاف درهم ، فلم يقبل ، وحمل إليه بعض أصحابه بدرهمين من الزكاة فقبل ، قيل له في ذلك فقال : « أرباب العشرة آلاف أحق بها مني ، أنا أحق بهذين الدرهمين ، لحاجتي إليهما ، وقد ساقها اللّه إلى من غير مسألة ، وأغناني بهما عن الشبهة والحرام » ولقد قال الواثق لأحمد بن أبي داود : « لم لا تولي أصحابي القضاء ، كما تولي غيرهم ؟ » فقال : « يا أمير المؤمنين ! إن أصحابك يمتنعون من ذلك ، وهذا جعفر بن مبشر ، وجهت إليه بعشرة آلاف درهم ، فأبى أن يقبلها ، فذهبت إليه بنفسي ، واستأذنت بأبى أن يأذن لي ، فدخلت من غير إذن ، فسلّ سيفه في وجهي وقال : الآن حل لي قتلك ، فانصرفت عنه . فكيف أوّلي القضاء مثله ؟ ! » . ومنها أبو عمران موسى بن الرقاشي : حكى الخياط عن البلخي وأبي زفر أنهما قالا : ما رأينا أحدا أعلم بالكلام منه ، فقيل لأبي زفر : سبحان اللّه وقد رأيت أبا الهذيل . وأبا موسى . وصالحا الأسواري ، وتقول هذا ؟ ! فقال : « كان أبو عمران يجيب في المسألة الواحدة بسطر واحد ، بجواب يفهمه العالم والجاهل ، وكان يحرم المكاسب ، ويزعم أن الدار دار كفر » . ومنها : عباد بن سليمان « 1 » ، وله كتب معروفة ، وبلغ مبلغا عظيما ، وكان من

--> ( 1 ) عباد بن سليمان : هو عباد بن سليمان الضمري « كان من أصحاب هشام بن عمرو الغوطى ، ربما تكون وفاته في حدود سنة 250 ه . يقول الملطى عنه : ملأ الأرض كتبا وخلافا ، وخرج عن حد الاعتزال ، إلى الكفر والزندقة . وحاول صاحب الانتصار الدفاع عنه . وله مجادلات ومناظرات مع امام أهل السنة عبد اللّه بن كلاب - انظر ابن النديم : الفهرست 269 ، 280 ، وأنظر د . النشار نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ج 1 ص 297 - 298 ) .