القاضي عبد الجبار الهمذاني
56
المنية والأمل
للمأمون : « أنا أقطع ثمامة » ، فقال : عليك بشعرك فلست من رجاله » ، فلما حضر ثمامة ، قال أبو العتاهية وقد حرك يده : « من حرك يدي » قال « 1 » : « من أمه زانية ؟ » قال : يا أمير المؤمنين شتمني » . قال ثمامة : « ترك مذهبه يا أمير المؤمنين » . فقال له أبو العتاهية بعد ذلك : « أما كانت لك في الحجة مندوحة غير السفه ؟ » . فقال له : « إن خير الكلام ما جمع الحجة والانتقام » . وجاءه رجل من الحشوية « 2 » فقال له : « دع مذهبك ، فلقد رأيت فيك رويحا قبيحة » ، فذهب به إلى ربيعة وسألهم : « ما الذي ترون في القس » ، ؟ فذكروا المقامات العجيبة ، فأقبل على الحشوي وقال : « تتنصر » ؟ ، وكان أخذه عن أبي الهذيل . وله أقوال انفرد بها ، وسنذكرها إن شاء اللّه تعالى . وكان اتصل بالخلفاء وخدمهم ليتوصل إلى معرفة أهل الدين ، ولذلك قد ينقل في كلامه بعض الهزل ، كقصته مع رجل ادعى النبوة ، فأرسله المأمون وآخر معه إليه ، ليفهما ما عنده ، فلما سألاه إظهار معجزة تدل على صدقه قال : « نعم ! من شاء منكما فليأتني بأمه ، لأحبلها تلد الساعة ولدا سويا ، يقوم بين أيديكما » فقال ثمامة : « أما أمي فقد ماتت منذ مدة ، أما أخونا هذا ، لعل أمه باقية ( يعني صاحبه ) ، فيأتي بها أليك . وهذا مجون كما ترى . وعن ثمامة قال : « كان المأمون قد هم بلعن معاوية على المنابر ، وأن يكتب بذلك كتابا يقرأ على الناس » . قال : فنهاه يحيى بن أكثم « 3 » عن ذاك وقال :
--> ( 1 ) هكذا في الأصل والأنسب هنا « قال ثمامة : من أمه زانية ؟ » . ( 2 ) الحشوية : هم الذين يحشون الأحاديث بالإسرائيليات ، وتغتبر فرقة من المشبهة ، وأجازوا على ربهم الملامسة والمصافحة ، وأن المسلمين المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة ، وإذا بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى حد الاخلاص والاتحاد المحض . وهم يجوزون الرؤية في الدنيا ، وأن يزودوه ويزورهم ، ومنهم من مال إلى مذهب الحلولية ، ويقولون : بجوز أن يظهر الباري تعالى بصفة شخص ، كما كان جبريل عليه السلام ينزل على صورة أعرابي ( المحيط التراجم ) . ( 3 ) توفى سنة اثنتين وأربعين ومائتين ، وهو يحيى بن أكثم القاضي أبو محمد المروزي ، ثم البغدادي ، أحد الأعلام ، كان فقيها مجتهدا مصنفا . قال صفحة الشاهد : يحيى بن أكثم أحد أعلام الدنيا ، قائم بكل معضلة ، غلب على المأمون ، حتى أخذ بمجامع قلبه ، وقلده القضاء وتدبير مملكته ، وكانت الوزراء