القاضي عبد الجبار الهمذاني
45
المنية والأمل
« فهل تعلم أنهم عابوا عليه بالمناقصة أو باللحن ؟ » قال : « لا » . . . قال أبو الهذيل : « فتدع قولهم ، مع علمهم باللغة ، وتأخذ بقول رجل م الأوساط » قال : « فأشهد أن لا إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه » . قال : « كفاني هذا ، وانصرف ، وتفقه في الدين » . قال المبرد : « ما رأيت أفصح من أبي الهذيل والجاحظ » ، وكان أبو الهذيل أحسن مناظر شهدته في مجلس ، وقد استشهد في جملة كلامه بثلاثمائة بيت . قال ثمامة : وصفت أبا الهذيل للمأمون ، فما دخل عليه جعل المأمون يقول لي : ( يا أبا حفص ) ، وأبو الهذيل يقول : ( يا ثمامة ) ، فكدت أتقد غيظا ، فلما احتفل المجلس ، استشهد في عرض كلامه بسبعمائة بيت ، فقلت : « إن شئت فكنّني ، وإن شئت فسمني » . وحكى يحي بن بشير الارجائى عن النظام ، قال : « ما أشفقت على أبي الهذيل قط ، في استشهاد شعر ، إلا يوم قال له الملقب ببرغوث « 1 » : « أسألك عن مسألة فرفع أبو الهذيل نفسه عن مكالمته ، فقال برغوت : وما بقيا عليّ تركتماني * ولكن خفتما صرد النبال ولم أعرف في نقيضه بيتا يتمثل به ، فبرز أبو الهذيل وقال : لا بل كما قال الشاعر : وارفع نفسي عن بجيلة أنّني * أذلّ بها عند الكلام وتشرف وناظر صالح بن عبد القدوس ، لما قال في العالم أنه من أصلين : نور وظلمة ، كانا متباينين فامتزجا . فقال أبو الهذيل : « فامتزاجهما أهو هما أم غيرهما ؟ » قال : « بل أقول هو هما » . فألزمه أن يكونا ممتزجين متباينين ، إذا لم يكن هناك معنى غيرهما ، ولم يرجع ذلك إلا إليهما ، فانقطع ، وأنشأ يقول :
--> ( 1 ) برغوث : محمد بن عيسى الملقب ببرغوث ، كان على مذهب النجار في أكثر مذاهبه ، وخالفه في تسمية المكتسب فاعلا ، فامتنع عنه ، وخالفه في المتولدات ، فزعم أنها فعل اللّه تعالى ، بايجاب الطبع ، وإليه تنسب الفرقة البرغوثية .