القاضي عبد الجبار الهمذاني

37

المنية والأمل

فرع : وروى أن بعض السمنية « 1 » قالوا لجهم بن صفوان : « 2 » ، « هل يخرج المعروف عن المشاعر الخمسة ؟ قال : « فحدثنا عن معبودك هل عرفته بأيّها » . قال : « لا » قالوا : « فهو إذا مجهول » ، فسكت . وكتب بذلك إلى واصل بن عطاء ، فأجاب وقال : « كان يشترط وجها سادسا وهو الدليل ، فتقول : لا يخرج عن المشاعر أو الدليل ، فأسألهم : هل تفرّقون بين الحي والميت ؟ والعاقل والمجنون ؟ فلا بد من : « نعم » . وهذا عرف بالدليل ، فلما أجابهم جهم بذلك ، قالوا : « ليس هذا من كلامك » ، فأخبرهم ، فخرجوا إلى واصل وكلموه وأجابوه إلى الاسلام . وعن عمرو الباهلي ، قرأت لواصل الجزء الأول من كتاب ( الألف مسألة في الرد على المانوية « 3 » ) ، قال : « فأحصيت في ذلك الجزء نيفا وثمانين مسألة » . ويقال ، إنه فرغ من الرد على مخالفيه ، وهو ابن ثلاثين سنة . ويقال ، إن أبا

--> ( 1 ) السمنية ، وهم القائلون بالتناسخ ، قالوا : بقدم العالم ، وقالوا : بإبطال النظر والاستدلال ، وزعموا أنه لا معلوم إلا من جهة الحواس الخمس ، وأنكر أكثرهم المعاد ، والبعث بعد الموت . وقال فريق منهم بتناسخ الأرواح ، في الصور المختلفة . وأجازوا نقل روح الانسان إلى كلب ، وروح الكلب لانسان ( الفرق ص 162 ) . ( 2 ) جهم بن صفوان ، هو الّذي قال بالإجبار ، والاضطرار إلى الأعمال ، وأنكر الاستطاعة كلها ، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان ، وأن الايمان هو المعرفة باللّه تعالى فقط ، وأنه لا فعل ولا عمل بغير اللّه تعالى ، وانما تنسب الأعمال للمخلوقين مجازا . قتله سالم بن أحوز المازني ، في آخر زمان بنى مروان سنة 128 ه ، كما يقول ابن جرير الطبري في تاريخه ، وقيل سنة 132 ه . ( الفرق ص 128 ) . ( 3 ) المانوية ، هم من القائلين أيضا بالتناسخ ، وذلك أن مانى بن فاتك زعيمهم قال : « بأن الأرواح التي تفارق الأجسام نوعان ، أرواح الصديقين ، وأرواح أهل الضلالة . فأرواح الصديقين إذا فارقت أجسادها ، سرت في عمود الصبح إلى النور الّذي فوق الفلك ، فبقيت في ذلك العالم على السرور الدائم ، وأرواح أهل الضلال ، إذا فارقت الأجساد ، وأرادت اللحوق بالنور الأعلى ، ردّت منعكسة إلى أسفل ، فتتناسخ في أجسامها الحيوانات ، إلى أن تصفو من شوائب الظلمة ، ثم تلحق بالنور العالي . ومانى هذا ، مذهبه مزيج من المجوسية والنصرانية ، ظهر في عهد سابور بن أزدشير . وكان مانى هذا راهبا بحران ، متفلسفا ، ضاق به خلائق . ولمذهبه تأثير على صنوف المجسّمة . ( يذكره البغدادي في الفرق ص 162 مانى فقط ) .