القاضي عبد الجبار الهمذاني

126

المنية والأمل

يعرف الأخبار ، بأن القوم علموا مزية القرآن ، في الفصاحة ، واعتقدوا ذلك فيه ، وأن عدولهم عنه ، وتركهم المعارضة ، والاحتجاج ، لأجل معرفتهم بحاله ، وتعظيمهم لشأنه ، وذكر أن المتقدمين منهم في الفصاحة علموا ذلك ، وغيرهم يعلم من جهتهم ، ويخبرهم في بطلان القول ، بأن القرآن يجب الايمان به ، دون معرفة معناه . مما سبق فإن ذلك يدل على فساد من يقول ، إن القرآن يجب الإيمان به دون معرفة معناه » . ويستطرد القاضي قائلا « 1 » : « قد بينا أنه يقع منه تعالى على وجه يدل على المراد ، كوقوعه من أحدنا ، إذا تكامل على شرط دلالته ، فيجب أن لا يصح منه تعالى ، أن يخاطب به ، وهو موضوع لفائدة إلا وهو يريدها به ، وإلا كان في حكم العابث » . وقد ذكر أبو هاشم : « أنه لو كان كذلك ، لوجب أن لا تنفصل حاله ، وهم عرب ، بين أن يكون عربيا ، أو أعجميا ، لأنه إذا لم يكن له معنى يستدل به عليه ، أو به ويغيره ، فلا فرق بين كونه على هاتين الصفتين ، وبين أن يكون الكلام من المخاطب بهذه الصفة أحد وجوه القبح ، ولا يختلف في ذلك الغائب والشاهد » . ودل أبو هاشم على ذلك أيضا : « بأنه تعالى ، لو لم يرد بكلامه الفائدة ، لكان لا فرق بينه وبين التصويت ، وايراد ما لم تقع عليه المواصفة البتة ، وبين أنه كان لا وجه لانقسامه إلى كونه أمرا وخبرا ، أو وعدا ووعيدا ، وبين أنه لا يمكن أن يدعي أن وجه حسنه التعبد بالتلاوة ، لأنه كان لا ينفصل ، لو كان هذا هو الغرض ، حاله وهو عربي ، من حاله وهو بالزنجية » . ويقول القاضي : وقد بينا جملة من ذلك في « العمد » « 2 » ، ودللنا على أن حسن التلاوة ووجوبها لا يخرج الكلام ، لو لم يكن له معنى ، من أن يكون عبثا ، بل كان يجب أن يكون بمنزلة الفعل ، الذي يصح أن يفيد ، من وجهين ، أو فعله تعالى لأحدهما ، في خروجه من أن يكون حسنا ، هذا لو لم يكن التعبد بالتلاوة ، يتبع في الحسن كونه مفيدا ، فأما إذا كان يتبعه بالحسن ، حتى لولا معرفة ما

--> ( 1 ) المغني ج 16 ص 356 . ( 2 ) أحد كتب القاضي عبد الجبار .