القاضي عبد الجبار الهمذاني
123
المنية والأمل
الفصحاء ، يسبق إليه ، ثم يساويه فيه غيره من الفصحاء ، فيساويه في ذلك النظم ، ومن يفضل عليه بفضله في ذلك النظم . ويقول القاضي : « ولذلك لا يصح عندنا ، أن يكون اختصاص القرآن ، بطريقة في النظم دون الفصاحة ، التي هي جزالة اللفظ ، وحسن المعني » . في تعذر المعارضة للقرآن والرسول : تحدى رسول اللّه العرب ، بطريقة معروفة ، وهي طريقة النبوة ، والزام الشريعة واتباع القرآن ، دون طريقة الغلبة والملك ، والقهر بالسلطنة ، وجعل الذي لأجله يلزم الانقياد ، العلامة والمعجزة وهي القرآن ، والذي يدعو إلى إبطال أمره ، هو الذي يدعو للمعارضة ، ولقد عرض العرب عن المعارضة ، لتعذرها عليهم ، رغم بذلهم من تضحيات ، وفشلوا في ذلك . ويقول القاضي « 1 » : « فلو قال معارض ، إن الذين أمكنهم أن يأتوا بالمعارضة ، قليل من كثير ، لأن العرب وإن كانت كثيرة في العدد ، فمن يوصف بالتقدم في البلاغة قليل والفصاحة ، ثم يترتبون ويتفاضلون ، فيعود الأمر في متقدميهم ، فجوزوا أنهم اتهموا بالمعارضة ، وتواطئوا على كتمانه ، أو عدلوا عن المعارضة ، مع التمكن ، محبة للمشاركة في رئاسته ، ووجوه المنافع من قبله ، أو دفعا للمضار المخوفة من جهته ، وتجويز ذلك يبطل ما ادعيتموه » . قيل له : ليس الأمر كما قدرته ، لأن من يعد من الفصحاء ، قد كان فيهم كثرة ، لا تجوز على مثلهم الطريقة التي ذكرتها ، وهذا بيّن عند من يعرف أحوال الشعراء والخطباء ، والمتقدمين في هذا الباب . ويقول أبو هاشم : « إن المعارضة لو وقعت من القليل ، كانت لا تلبث أن تنكشف على الأيام ، إن لم تنكشف في الحال ، لأن العادة لم تجر في كتمان مثل ذلك باستمرار ، ولو جوزنا مثله ، لم نأمن في زمن كل متقدم في الشعر ، وفي زمن كل عالم مبرز ، أن جماعة شاركوه وساووه ، ومع ذلك أنكرتم أمرهم البتة ، في سائر الأوقات ، والمتعالم من حال أسرار الملوك ، مع تشددهم في كتمها ، أنها قد انكشفت ، على الأوقات ، فكيف يجوز في مثل ذلك أن ينكتم أبدا .
--> ( 1 ) المغنى 16 ص 271