القاضي عبد الجبار الهمذاني
94
المنية والأمل
مواظبا على التدريس والإملاء ، حتى طبق الأرض بكتبه ، وأصحابه ، وبعد صيته ، وعظم قدره . وإليه انتهت الرئاسة في المعتزلة ، حتى صار شيخها ، وعالما غير مدافع . وصار الاعتماد على مسائله وكتبه ، ونسخ كتب من تقدمه من المشايخ . وشهرة حاله تغني عن الاطناب في الوصف . واستدعاه الصاحب « 1 » إلى الري بعد سنة ستين وثلاثمائة ، فبقى فيها مواظبا على التدريس . إلى أن توفي رحمه اللّه ، سنة خمس عشرة أو ست عشرة ، وأربعمائة . وكان الصاحب يقول فيه : هو أفضل أهل الأرض ، ومرة يقول هو أعلم أهل الأرض . وأراد أن يقرأ فقه أبي حنيفة على أبي عبد اللّه ، فقال له : هذا علم ، كل مجتهد فيه مصيب ، وأنا في الحنفية ، فكن أنت في أصحاب الشافعي ، فبلغ في الفقه مبلغا عظيما . وله اختيارات ، لكن وفر أيامه على الكلام . ويقول : للفقه أقوام يقومون به طلبا لأسباب الدنيا ، وعلم الكلام لا غرض فيه ما سوى اللّه تعالى .
--> ( 1 ) الصاحب : هو : الصاحب أبو القاسم بن أبي الحسن عباد بن عباس ابن عباد بن أحمد بن إدريس الطالقاني . كان نادرة الدهر ، وأعجوبة العصر ، في فضائله ومكارمه وكرمه ، أخذ الأدب عن أبي الحسين أحمد بن فارس اللغوي ، صاحب كتاب « المجمل » في اللغة ، وأخذ عن أبي الفضل بن العميد وغيرهم . وهو أول من لقب بالصاحب من الوزراء ، لأنه كان يصحب أبا الفضل بن العميد ، فقيل له : صاحب ابن العميد . ثم أطلق عليه هذا اللقب لما تولى الوزارة ، وبقي علما عليه . وذكر الصابي في كتاب « التاجي » أنه إنما قيل له « الصاحب » لأنه صحب مؤيد الدولة بن بويه منذ صباه ، وسماه الصاحب ، فاستمر عليه هذا اللقب ، واشتهر به . كان مولده لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة ست وعشرين وثلاثمائة بإصطخر ، وتوفي ليلة الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة خمس وثمانين وثلاثمائة ورأيت في أخباره ، أنه لم يسعد أحد في وفاته ، كما كان في حياته ، غير الصاحب ، فإنه لما توفي ، أغلقت له مدينة الري . . . وقعد فخر الدولة للعزاء أياما ، ومشى أمام جنازته مع الناس ، الذين قبّلوا الأرض عند خروج نعشه ! » ابن خلكان : وفيات الأعيان ص 206 ج 1 »