ملا نعيما العرفي الطالقاني
42
منهج الرشاد في معرفة المعاد
اكتسبت في ضمنه أخلاقا رذيلة وهيئات رديّة وصفات ذميمة ، ثمّ تظهر في النشأة الأخرويّة بصورة ما غلبت عليها صفاته وتنتقل فيها إلى البدن المناسب لأخلاقها وهيآتها لبدن البهائم والسّباع ونحوهما . وبالجملة ، أن تكون بواطن النفوس في هذه النشأة ممسوخة من غير أن تظهر صورها في الظاهر ، بل إنّما كان تظهر هي في الآخرة وتحشر النفوس على صور صفاتها ، فترى الصور في هذه النشأة أناسيّ وفي الباطن غير ذلك ، وهذا المعنى لا مانع منه ، ويشهد به التنزيل والأخبار عن الصادقين عليه السّلام ، وبه يمكن أن يؤوّل كلام بعض أساطين الحكمة كما حمله صدر الأفاضل عليه ، وإن كان في شهادة بعض الشواهد التي ذكرها شاهدة على ذلك نظر ، كما يظهر على المتأمّل . كما أنّ في قوله : « فترى الصور أناسيّ ومن الباطن غير تلك الصور من ملك أو شيطان . . . الخ » « 1 » . نظر أيضا ، إذ يستفاد منه أنّ هذا المعنى يكون للنفوس التي اكتسبت الأخلاق الفاضلة أيضا ، وأنّه يمكن أن يكون لبعض تلك النفوس صورة إنسان في الظاهر وفي هذه النشأة ، وصورة ملك في الباطن تظهر في النشأة الأخرويّة ، وأنّه أيضا تناسخ بهذا المعنى . وفيه ما لا يخفى . والمعنى الثالث الذي ذكره وجوّزه ، وقال أنّه واقع هو كذلك ، ومحصّله : أن يكون في هذه النشأة نفس اكتسبت الرذائل ورسخت فيها وتمكّنت منها حتّى مسخ باطنها وانقلب بصورة حيوان غلبت عليه تلك الرّذائل والصفات ، ثمّ غلبت قوّتها النفسانيّة حتّى صارت قد غيّرت مزاج بدنها وهيئته إلى شكل ما هو بصفتها من حيوان آخر فمسخ ظاهرها أيضا ، أي انقلب ظاهره من صورته التي كانت إلى صورة ما انقلب إليه باطنها من غير أن ينتقل من بدن إلى بدن آخر ، وأن يكون كلّ ذلك بإذن اللّه تعالى بحسب ما يستحقّه تلك النفوس بسوء عملها . وهذا المعنى أيضا لا مانع منه ، بل هو واقع في قوم غلبت شقوة نفوسهم وضعفت قوّة عقولهم كما أخبر به التنزيل في بني إسرائيل ؛ قال تعالى : وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ ) ) « 2 » ،
--> ( 1 ) - الشواهد الربوبيّة / 233 . ( 2 ) - المائدة ( 5 ) : 60 .