ملا نعيما العرفي الطالقاني

37

منهج الرشاد في معرفة المعاد

تلذّها . ولا أمكن تعطّلها من الفعل والانفعال وعناية اللّه واسعة وجانب الرحمة أرجح ، فلا محالة لها سعادة وهميّة من جنس ما تتصوّره ، وفي هذه الحالة لا عرية عن اللّذّة بالإطلاق ، ولذلك قيل نفوس الأطفال بين الجنّة والنار ، وأمّا النفوس العامّيّة التي تصوّرت المعقولات الأوّليّة ولم تكتسب شوقا إلى الحقائق النظريّة حتّى تتأذّى بفقدها تأذّيا نفسانيّا . سواء كانت تقيّة النفس عن معاصي الأفعال الشهويّة والغضبيّة أو فاجرة عاصية ، فالحكماء عن آخرهم لم يكتفوا بالقول عن معاد هذه النفوس ومن في درجتها ، إذ ليست لها درجة الارتقاء إلى عالم المفارقات ، ولا يصحّ القول برجوعها إلى أبدان الحيوانات ولا بفنائها لما علم . فطائفة اضطرّوا إلى القول بأنّ نفوس البله والصلحاء والزهّاد تتعلّق في الهواء بجرم مركّب من بخار ودخان يكون موضوعا لتخيّلاتهم ليحصل لهم سعادة وهميّة ، وكذلك لبعض الأشقياء فيه شقاوة وهميّة ، وطائفة زيّفوا هذا القول في الجرم الدخانيّ ، وصوّبوه في الجرم السماويّ ، والشيخ الرئيس نقل هذا الرأي من بعض العلماء ووصفه بأنّه ممّن لا يجازف في الكلام ، والظاهر أنّه أبو نصر الفارابيّ ، واستحسنه قائلا : يشبه أن يكون ما قاله حقّا . وكذا صاحب ( التلويحات ) صوّبه واستحسنه في غير الأشقياء ، قال : « وأمّا الأشقياء فليست لهم قوّة الارتقاء إلى عالم أسماء ذوات نفوس نوريّة وأجرام شريفة « 1 » ، قال : والقساوة تخرجهم إلى التخيّل الجرميّ ، وليس بممتنع أن يكون تحت فلك القمر وفوق كرة النار جرم كريّ غير منخرق هو نوع بنفسه ، ويكون برزخا بين العالمين الأثيريّ والعنصريّ موضوعا لتخيّلاتهم ، فيتخيّلون من أعمالهم السيّئة مثلا من نيران وحيّات تلسع وعقارب تلدغ وزقّوم يشرب ، قال : بهذا يدفع ما بقي من شبهة أهل التناسخ » « 2 » ، انتهى كلامه . قلت : وعلى هذا أيضا تبقى المخالفة في الجملة بين ما ذكره المحقّق الطوسيّ وما

--> ( 1 ) - شرح حكمة الإشراق / 452 - 454 . ( 2 ) - الشواهد الربوبيّة وفيه : . . . فإذا كانت باقية ولم تترسّخ فيها رذيلة . . . لا عريّة عن اللّذة بالإطلاق ولا نائلة لها بالإطلاق ولذلك قيل : . . . لم يكشفوا بالقول عن معاد . . . قال . . . والقوّة يحوجهم إلى التخيّل . . .