ملا نعيما العرفي الطالقاني
32
منهج الرشاد في معرفة المعاد
العلم ممّا لا يجازف فيما يقول - وأظنّه يريد الفارابي - قال قولا ممكنا ، وهو أنّ هؤلاء إذا فارقوا البدن - وهم بدنيّون لا يعرفون غير البدنيّات وليس لهم تعلّق بما هو أعلى من الأبدان فيشغلهم التعلّق بها عن الأشياء البدنيّة - أمكن أنّ تعلّقهم لشوقهم إلى البدن ببعض الأبدان التي من شأنها أن تتعلّق بها الأنفس ، لأنّها طالبة بالطبع ، وهذه ماهيّات ، وهذه الأبدان ليست بأبدان إنسانيّة أو حيوانيّة ، لأنّها لا يتعلّق بها إلّا ما يكون نفسا لها ، فيجوز أن تكون أجراما سماويّة لا أن تصير هذه الأنفس أنفسا لتلك الأجرام ، أو مدبّرة لها ، فإنّ هذا لا يمكن . بل قد تستعمل تلك الأجرام لإمكان التخيّل ، ثمّ تتخيّل الصور التي كانت معتقدة عنده وفي وهمه ، فإن كان اعتقاده في نفسه وأفعاله الخير شاهدت الخيرات الأخرويّة على حسب ما تخيّلتها ، وإلّا فشاهدت العقاب كذلك . قال : ويجوز أن يكون هذا الجرم متولدا من الهواء والأدخنة . ولا يكون مقارنا لمزاج الجوهر المسمّى روحا الذي لا يشكّ الطبيعيّون أنّ تعلّق النفس به لا بالبدن . فهذا ما ذكره في الكتاب المذكور . ولولا مخافة التطويل لأوردته بعبارته . والشيخ جوّز بعد ذلك أن يفضي التعلّق المذكور إلى الاستعداد للاتصال المعدّ الذي للعارفين . ولي في أكثر هذه المواضع نظر » « 1 » انتهى . وقال أيضا في شرح قوله : « أمّا التناسخ » إلخ بهذه العبارة : « وهذا هو المذهب الثاني ، وقد أورد على إبطاله حجّتين : إحداهما - أن يقال : لمّا ثبت أنّ تهيّؤ الأبدان يوجب إفاضة وجود النفس من العلل المفارقة ، ثبت أنّ كلّ مزاج بدنيّ يحدث فإنّما يحدث معه نفس لذلك البدن ، فإذا فرضنا أنّ نفسا تناسخها أبدان كان للبدن المستنسخ نفسان : إحداهما المستنسخة والثانية الحادثة معه ، فكان حينئذ للحيوان الواحد نفسان ، وهذا محال ، لأنّ النفس هي التي تدبّر البدن وتتصرّف فيه ، وكلّ حيوان يشعر بشيء واحد يدبّر بدنه وتصرّف فيه ، فإن كان هناك نفس أخرى لا يشعر الحيوان بها ولا هي بذاتها ولا تتصرّف في البدن ؛ فلا يكون لها علاقة مع
--> ( 1 ) - شرح الإشارات 3 / 356 - 355 .