ملا نعيما العرفي الطالقاني
9
منهج الرشاد في معرفة المعاد
مقدّمة الناشر قضيّة الإيمان بالعودة إلى اللّه عزّ وجلّ - عبر سفر الموت - إحدى الركائز الأساسيّة التي يقوم عليها المعتقد التوحيديّ في الأديان الإلهيّة . وتشكّل هذه القضيّة ثاني قوسين تكتمل بتلاقيهما دائرة الحياة الإنسانيّة في الوجود ، بعد أن كان أوّلهما الإيمان بصدور الإنسان من الغيب الإلهيّ ، ليجتاز - في رحلة الحياة الدنيا - مراحل الكدح والنموّ والتكامل ، ثمّ ليعود إلى لقاء اللّه من جديد . . كما تعود القطرة مرّة أخرى إلى المحيط . وهذا الصدور من القدرة الإلهيّة ثمّ العودة إليها بعد الموت هو ما عرف في الثقافة الإسلاميّة باسم « المبدأ والمعاد » ؛ استلهاما من تعابير القرآن الكريم : « كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ - الأعراف 29 » و « كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ - الأنبياء 104 » و « إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ - يونس 4 » . ولا ريب أنّ حياة الإنسان القادمة في أسفار الآخرة مرتبطة ارتباطا صميميّا بأعمال الإنسان وبمساعيه في الحياة الدنيا ، وبما يحمل من معتقدات وأفكار ، وبما يعتمل في داخله من دوافع ونيّات . هنالك تتجسّد الأعمال والدوافع الداخليّة في عالم الانكشاف والظهور « وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً ، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً - الكهف 49 » ، « ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ - البقرة 281 » ، « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ - الزلزال 7 - 8 » . وقد حفلت النصوص الإسلاميّة - قرآنيّة وحديثيّة - بذكر حقيقة المعاد وما يرتبط به ، بما لا تجد نظيرا له في أيّ من الأديان الأخرى . وشهدت الحياة العلميّة والدينيّة للمسلمين ، على تعاقب القرون ، مباحث شتّى حول عقيدة المعاد . . خلال كتب خاصّة ألّفت في الموضوع ، وخلال فصول تضمّنتها المؤلّفات الاعتقاديّة والأخلاقيّة والوعظيّة ، ليتجلّى للمسلم هذا الأصل الدينيّ الأساس ، وليتأهّب للسفر الأخرويّ ، حيث يصل إلى الغاية التي هي لقاء اللّه .