ملا نعيما العرفي الطالقاني
87
منهج الرشاد في معرفة المعاد
على تقدير تلك الأقوال المشهورة في الجسم ، وإن كان القولان الأوّلان المتقدّمان باطلين ، والصحيح من هذه الأقوال والمذاهب أحد المذهبين الأخيرين ، أي مذهب الإشراقيّين والمشّائين ، وكان مذهب الإشراقيّين أقرب إلى الصواب ، وتحقيق الحقّ في ذلك لا يناسب الباب . ثمّ إنّه قد بقي هنا مذهب آخر ، هو أيضا مبنيّ على إثبات الجزء الصوري والجزء المادّي للجسم ينبغي توجيه معاد البدن على تقديره أيضا ، وهو القول بأنّ الجسم موجود بتجدّد الأمثال ، ففي كلّ آن يفنى ويحدث مثله ، لكن يشتبه على الحسّ فيظن أنّه موجود بوجود واحد مستمرّ . وهذا المذهب وإن كان باطلا لابتنائه على جواز الحركة في الجوهر والتبدّل في ذات الشيء الموجود ، وهو باطل كما حقّق في محلّه ، لكنّه على تقديره أيضا لا يلزم انعدام البدن بالمرّة ، لأنّه عليه وإن كان تنعدم صورة الجسم وتتجدّد آنا فآنا ، لكنّه لا ينعدم جزؤه الآخر ، أي هيولاه ، بل هي باقية ، وانعدام صورته ليس بقادح أصلا على هذا المذهب ، إذ الجسم حين الوجود الأوّل المبتدأ أيضا كذلك ينعدم صورته آنا فآنا ، وتبقى مادّته ، فلا ضير في أن يكون حين الإعادة كذلك . وعلى هذا المذهب أيضا يكون البدن المعاد عين البدن المبتدأ بحسب المادّة أي الهيولى وغيره أي مثله باعتبار الصور المتجدّدة كما هو حين الوجود المبتدأ المستمرّ كذلك . ثمّ إنّ هذه العينيّة باعتبار ، والغيريّة - أي المماثلة - باعتبار آخر اللتين ذكرنا أنّهما لازمتان على تقدير القول بكلّ مذهب من المذاهب المقولة في الجسم ، كما أنّهما لا يأبى عنهما العقل ، بل يدلّ عليهما كما عرفت ، كذلك هما ممّا لا يخالف النقل ، حيث إنّ ما ورد من الأخبار والآيات - كالآيات المتقدّمة الدالّة على أنّ البدن الخاصّ الموجود في النشأة الدنيويّة يعاد بعينه في النشأة الاخرويّة - لعلّه إشارة إلى العينيّة باعتبار آي التي قد فصّلناها على كلّ مذهب من تلك المذاهب ، وأنّ ما يدلّ منها على المماثلة كقوله تعالى : « أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ » . « 1 »
--> ( 1 ) - يس : 81 .