ملا نعيما العرفي الطالقاني

85

منهج الرشاد في معرفة المعاد

المادّية بقاء هيولى البدن ، كما هو مذهب هؤلاء في مطلق الجسم ، وإن كان طرأ على هيولاه صورة أخرى غير صورة البدن الأوّل حين الفناء ، وأقرب الصور إلى الصورة البدنيّة الأولى حين الإعادة ، ويحتمل أن يكون أراد به مع ما ذكر بقاء الأجزاء الأصليّة من البدن التي يظهر من بعض أحاديث الأئمّة الأطهار ( عليهم سلام اللّه الملك الجبّار ) أنّ منها تكوّن البدن ، وهي مبدأ نشئه ، وهي ممّا تبقى بعد خرابه ، كما روى الشيخ الصدوق ابن بابويه رحمه اللّه في الفقيه عن عمّار الساباطي . أنّه قال : سئل أبو عبد اللّه ( صلوات اللّه عليه ) عن الميّت هل يبلى جسده ؟ قال : نعم حتّى لا يبقى لحم ولا عظم ، إلّا طينته التي خلق منها فإنّها لا تبلى في القبر ، تبقى مستديرة حتّى يخلق منها كما خلق أوّل مرّة . « 1 » والمراد من هذه الطينة الباقية - واللّه وأولو العلم أعلم - إمّا نفس النطفة المنويّة التي منها بدن الإنسان كما يشهد به ما رواه هو رحمه اللّه فيه أيضا . أنّه سئل الصادق ( صلوات اللّه عليه ) لأيّ علّة يغسّل الميّت ؟ قال : تخرج منه النطفة التي خلق منها تخرج من عينيه أو من فيه . . . « 2 » وإمّا تلك النطفة المنويّة المخلوطة بالتراب التي هي مبدأ نشأ بدن الإنسان أوّلا ، وكذا هي مبدأ تكوّنه ثانيا في الحشر ، كما هو الأظهر ، وقد ورد في الأحاديث المرويّة عن أهل العصمة ( سلام اللّه عليهم أجمعين ) « 3 » ، أنّ كلّ طينة خلق منها الإنسان يدفن فيها ، وأنّ النطفة إذا استقرّت في الرحم بعث اللّه تعالى ملكا ليأخذ من تراب المكان الذي يدفن ذلك الإنسان فيه ، فيأخذه ويخلطه بتلك النطفة ، فيخلق الإنسان من تلك النطفة المخلوطة بذلك التراب ، وإذا اقترب أجله يذهب إلى أن يجيء إلى ذلك المكان ، فيموت ويدفن فيه . وهذه النطفة مستديرة في القبر ، وتبقى إلى أن يخلق الإنسان في الحشر مرّة أخرى منها كما خلق أوّل مرّة ، ويشهد به قوله تعالى : « مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى . » « 4 » فتبصّر .

--> ( 1 ) - من لا يحضره الفقيه 1 : 191 ، طبع مكتبة الصدوق بطهران . ( 2 ) - من لا يحضره الفقيه 1 : 138 . ( 3 ) - راجع الكافي 3 : 202 ، باب التربة التي يدفن فيها الميّت ، وراجع أيضا شروح الكافي . ( 4 ) - طه : 55 .