ملا نعيما العرفي الطالقاني
77
منهج الرشاد في معرفة المعاد
وأمّا المعدوم بصورته الخاصّة فبذلك البرهان أيضا ، ولأنّه لو فرضنا إمكان إعادته وأعيد ، لم يكن المعاد ذلك الشخص بعينه بجميع مشخّصاته ، بل يكون خلقا جديدا - أي مخلوقا جديدا - وإن كان مماثلا للأوّل في بعض الصفات ، كما حكى اللّه تعالى عنهم في الآيات المتقدّمة لو أرادوا به هذا المعنى أو ما يتناوله ، والخلق الجديد بمعنى الإعادة ، وسيجيء أيضا بيان هذا . فمن هذه الشبهة ذهبت أوهامهم إلى امتناع البعث وإنكار المعاد ، وإن كانوا قائلين بوجود الفاعل القادر المختار أيضا ، لأنّ متعلّق القدرة ينبغي أن يكون شيئا ممكنا مقدورا بالذات ، والممتنع بالذات لا يصدق عليه اسم الشيء ، فلا يكون متعلّق القدرة ، وهذا لا يستلزم نقصا في قدرة القادر المختار ، ولا في فاعليّة الفاعل ، بل النقص إنّما هو في جانب القابل ، وهذا ممّا لا ضير فيه . وقوله تعالى حكاية عنهم : « مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ » . « 1 » يمكن أن يراد به هذا المعنى ، وإن كان يمكن أن يراد به نفي الفاعل المختار القادر على ذلك ، وإسناد الموت والحياة في النشأة الدنيويّة إلى الدهر أو إلى البخت والاتّفاق من غير أن يكون نشأة اخرويّة أو معاد فيها ، كما هو مذهب الدهريّة والملاحدة منهم ، ويدلّ عليه قوله تعالى حكاية عنهم : « إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ » . « 2 » وكذلك قوله تعالى : « أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ، بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ » . « 3 » محتمل للوجهين المذكورين ، وعلى الأوّل فيكون المراد بقوله : « بَلى قادِرِينَ » إثبات أنّ جمع العظام ممّا هو متعلّق القدرة ، وليس فيه إعادة المعدوم بالمرّة ، ولا هو بممتنع بالذات على ما سيأتي بيانه ، وعلى الثاني فيكون المراد به مضافا إلى ما ذكر إثبات أصل القدرة ، وإثبات الفاعل المختار القادر عليه ، فتدبّر . وبالجملة فهذه الشبهة بالوجهين المحكيّة عن المنكرين للمعاد في الآيات المتقدّمة أعظم شبههم في ذلك ، ولهم شبه أخرى عليه ، سيأتي بيانها مع إبطالها في مواضعها .
--> ( 1 ) - يس : 78 . ( 2 ) - المؤمنون : 37 . ( 3 ) - القيامة : 3 - 4 .