ملا نعيما العرفي الطالقاني

246

منهج الرشاد في معرفة المعاد

أو بالطبع ، وتقدّم نفس الوجود على الوجود تقدّم بالحقيقة . وحيث عرفت ما ذكرنا من تفسير الأوّل والآخر في شأنه تعالى ، فاعلم أنّه موافق لما ورد من بعض كلمات المعصومين عليهم السّلام كقولهم في الأدعية المأثورة عنهم : « يا كائنا قبل كلّ شيء ، يا كائنا بعد كلّ شيء ، يا حيّ قبل كلّ حيّ ، ويا حيّ بعد كلّ حيّ ، يا حيّ حين لا حيّ ، يا حيّ يبقى ويفنى كلّ حيّ ، يا ذا الذي كان قبل كلّ شيء ، ثمّ خلق كلّ شيء ، ثم يبقى ويفنى كلّ شيء » . وكذا هو مطابق للتفسير الذي ذكره العلماء . قال الشيخ الطوسي رحمه اللّه في تفسير قوله تعالى في سورة الحديد هو الأوّل : القديم السابق لجميع الموجودات بما لا يتناهى من الأوقات أو تقدير الأوقات . والآخر الذي يبقى بعد فناء كلّ شيء . - انتهى . « 1 » وقال بعض أجلّة العلماء رحمه اللّه ما مضمونه : إنّ معنى الأوّل في حقّه تعالى أنّه قبل كلّ شيء ، وليس قبله أو في مرتبة وجوده شيء ومعنى الآخر في حقّه تعالى أنّه ليس بعده شيء ، وكلاهما من الصفات السلبيّة . - انتهى . وحيث عرفت تفسير الأوّل والآخر في حقّه تعالى ، وعرفت أنّ معنى الآخر في حقّه سبحانه أنّه هو الذي يبقى ويفنى غيره ، عرفت أنّ معنى هذه الآية الكريمة آئل من بعض الوجوه إلى معنى الآية السابقة ، وهي قوله تعالى : « كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ » إلّا أنّه يمكن في تلك الآية السابقة التأويل بكلا الوجهين اللذين ذكرناهما ، وأمّا في هذه الآية فلا يستقيم التأويل إلّا بالوجه الأخير ، لأنّ المتبادر من فناء غيره فناؤه بالفعل ، كما دلّت عليه الآيات والأخبار أيضا ، لا الفناء في مرتبة ذاته . وحيث كان المراد ، هو الفناء بالفعل الشامل بإطلاقه لفناء كلّ شيء غيره تعالى - كما هو الظاهر - فينبغي أن يخصّص هذا العموم أيضا بما سوى ما دلّ الدليل على بقائه ، وقلنا إنّه مستثنى من العموم . واللّه تعالى يعلم حقيقة الحال . ومنها قوله تعالى : « كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ » . « 2 » وهذا لا يدلّ على فناء المخاطبين بالمرّة ، بناء على أنّهم في حال البدء كما لم يكونوا

--> ( 1 ) - تفسير التبيان 9 : 518 ؛ تفسير مجمع البيان 9 : 230 . ( 2 ) - الأعراف : 29 .