ملا نعيما العرفي الطالقاني
226
منهج الرشاد في معرفة المعاد
حيث كونها متصرّفة في البدن ، وأنّها مجرّدة من حيث الذات ، مادّية من حيث الفعل ، وأنّها من حيث الفعل مسبوقة باستعداد البدن حادثة بحدوثه زائلة بزواله ، وأمّا من حيث حقيقتها أو مبدأ حقيقتها ، فغير مسبوقة باستعداد البدن إلّا بالعرض ، ولا فاسدة بفساده ، ولا يلحقها شيء من مثالب المادّيات إلّا بالعرض ، وهذا ممّا لا كلام فيه . لكنّه لا يتبيّن منه أنّها من جهة مسبوقيّتها باستعداد البدن بالعرض ، كيف استلزم استعداد البدن لها بالعرض ، وجود ذاتها ، ولم يستلزم ذلك الاستعداد فساد ذاتها . وما الفرق بين الأمرين ؟ مع أنّه اعترف أنّها من جهة المسبوقيّة باستعداد البدن حادثة بحدوثه زائلة بزواله . اللّهم إلّا أن يوجّه ذلك بما يؤول إلى جواب المحقّق الطوسي ، وإلى ما فصّلناه من الجواب . ثمّ إنّ ما ذكره ثانيا بقوله : « وأمّا الذي نراه الآن في تحقيق الحال ، فهو أنّ للنفس الإنسانيّة مقامات ونشئات ذاتية بعضها من عالم الأمر والتدبير : « قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي » « 1 » وبعضها من عالم الخلق والتصوير : « وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا » ، « 2 » فالحدوث والتجدّد ، إنّما يطرءان لبعض شأنها » . فهو أيضا ممّا لا كلام فيه ، لا في كونها ذات نشئات ، ولا في أنّ الحدوث والتجدّد يطرءان عليها من جهة كونها من عالم الخلق والتصوير ومن جهة تعلّقها بالبدن تعلّق التصرّف والتدبير . إلا أنّ قوله : « فنقول : لمّا كانت للنفس ترقّيات وتحوّلات من نشأة أولى إلى ثانية وإلى ما بعدها ، فإذا ترقّت وتحوّلت من عالم الخلق إلى عالم الأمر ، يصير وجودها وجودا عقليّا إلهيا لا تحتاج إلى البدن وأحواله واستعداده ، فزوال استعداد البدن إيّاها لا يضرّها دواما وبقاء ، إذ ليس حال النفس في أوّل حدوثها كحالها عند الاستكمال ، ومصيرها إلى العقل الفعّال ، فهي بالحقيقة جسمانيّة الحدوث روحانيّة البقاء » . إن أراد به أنّ النفس في أوّل حدوثها مادّية بحسب الذات ، وتصير عند استكمالها مجرّدة ، فهو مع كونه خلاف ما تقرّر عندهم ، يستلزم انقلاب ذاتها من المادّية إلى التجرّد وهذا باطل .
--> ( 1 ) - الإسراء : 85 . ( 2 ) - الأعراف : 11 .