ملا نعيما العرفي الطالقاني
162
منهج الرشاد في معرفة المعاد
هذا تلخيص ما ذكره وفيه أمور صحيحة ، إلّا أنّه لم يتبيّن منه ما تحيّروا فيه من أنّ هذه الأفاعيل المترتّبة ، من الحفظ والتغذية والتصوير والإنماء والإحساس والنطق ، أهي كلّها صادرة من كلمة فاعلة ، لها قوى متعدّدة متجدّدة الحدوث ، أو هي كلمات فعّالة متعدّدة متفاضلة في الكمال ، فإن كان الأوّل فيلزم حدوث الناطقة مع حدوث النطفة فتكون معطّلة عن فعلها الخاصّ مدّة ، وهذا يخالف قواعدهم ، وإن كان الثاني يلزم عليه ، ما يلزم به الشارح القديم ، من تفويض أحد الفاعلين الطبيعيّين تدبير موضوعه إلى الآخر ، وإن كان هناك فساد صورة سابقة وتكوّن صورة لا حقة ، فكيف انجرّ تكامل الاستعداد إلى الفساد ، والفطرة حاكمة بأنّ التوجّه إلى الكمال ينافي الفساد والاضمحلال ، فقوّة واحدة لمادّة واحدة لا تفعل فعلين متناقضين فيها . وأمّا ما ذكره الأطباء من أنّ الحرارة الغريزية توجب الحياة والموت جميعا فوجه ذلك أنّ فعل تلك الحرارة ليس بالذات إلّا تقليل الرطوبات . وهذا التقليل نافع في حفظ الحياة ما دامت الرطوبات زائدة في بدن الحيّ ، ضارّ ما دامت ناقصة ، ففعلها شيء واحد دائما وكلّ واحد من النفع والضرّ ، فعلها بالعرض ، وأمّا فعل المصوّرة في مادّتها فليس إلّا التكميل والحفظ . وكلّ من له قدم راسخ في الحكمة يعرف أنّ الأفاعيل الطبيعيّة نحو شيء مناف لها مضادّة ، بل الأشياء كلّها طالبة للخير الأقصى ، كما يشهد به الكشف الأتمّ ، فالتحقيق في هذا المقام يتوقّف على ما لوّحنا إليه سابقا من حال اشتداد الطبيعيّة وسلوكها الجوهريّ الاتّصاليّ ، حسب ما يقتضيه البراهين المشرقية . - انتهى كلامه رحمه اللّه . وأقول لا يخفى عليك أنّ التحقيق الذي ذكره المحقّق الطوسي رحمه اللّه ، تحقيق أنيق ، ينبغي أن يكون عليه المعوّل في جواب ذلك السؤال المشهور الذي أورده ، إلّا أنّ هاهنا أمورا ينبغي التنبيه عليها .