ملا نعيما العرفي الطالقاني
124
منهج الرشاد في معرفة المعاد
الأوّل من جهة الغاية ، وبيانه أنّ الغاية المقصودة من النشأة الاخرويّة بما فيها ، كما دلّ عليه العقل والنقل أي ثواب أهل النعيم وعقاب أهل الجحيم ، سوى ما دلّ دليل خارج على انقطاعه ، كعقاب صاحب الكبيرة من المؤمنين أبديّة دائمة بحكم العقل ، لأنّ دوام الثواب على الطاعة ، وكذا دوام العقاب على المعصية ، يبعث المكلّف على فعل الطاعة ويزجره عن المعصية ، فيكون لطفا واللطف واجب على اللّه تعالى كما تقرّر في موضعه ، ولأنّ المدح والذمّ دائمان ، إذ لا وقت إلّا ويحسن فيه مدح المطيع وذمّ العاصي ، وهما معلولا الطاعة والمعصية ، فيجب دوام الثواب والعقاب ، لأنّ دوام أحد المعلولين يستلزم دوام المعلول الآخر ، إلى غير ذلك من الوجوه التي ذكرها العلماء في كتبهم . وحيث كانت الغاية المقصودة من النشأة الأخرويّة بما فيها المترتّبة عليها دائمة أبديّة يحكم العقل بوجوب أبديّة ذات الغاية أيضا إمّا بشخصها أو نوعها ، إذ لا انفكاك بين الغاية وذات الغاية ، مع أنّ الفاعل تامّ الفاعليّة ، فيّاض على الإطلاق ولم يعلم أيضا أنّ هناك شرطا لوجودها ، يطرأ عليه الفناء حتّى يكون بانعدامه ينعدم المشروط ، بل المعلوم هنا خلافه . واللّه تعالى أعلم . الوجه الثاني : من جهة ذوات الموجودات الاخرويّة وصورها وموادّها . وبيانه أنّه لا يخفى أنّ النشأة الاخرويّة بما فيها مخالفة بالحقيقة للنشأة الدنيويّة بما فيها ، مخالفة تامّة بسببها صارت عالما آخر غيرها ، وأنّ النشأة الدنيويّة بما فيها ما سوى ما دلّ الدليل على بقائه ، كالصادر الأوّل أو القديم لو جوّزنا وجوده فانية كلّها ، هالكة جميعها ، يطرأ عليها الفناء والزوال ولو من وجه كما سيأتي بيانه ، فينبغي أن يكون النشأة الاخرويّة التي هي مخالفة لها بالحقيقة والذات ، غير قابلة للفناء والهلاك باقية أبدا فيتحدّس من ذلك كما شهدت به الأخبار المرويّة أيضا ، أنّ الموجودات الاخرويّة بسائطها ومركّباتها بصورها وموادّها - إن كانت لها - ليست من جنس الموجودات الدنيويّة التي يتطرّق إليها الكون والفساد ، والاستحالة والانقلاب والتغيّرات ، ويطرأ عليه الزوال والفناء أي أنّ موادّها أصفى وألطف جوهرا من موادّ هذه النشأة ، وأبعد من الكثافة التي هي منشأ التغيّر وقبول الصور المتواردة المتخالفة ، كما في موادّ الأجسام العنصريّة ، بل هي صافية جدّا بحيث لا يشوبها كدرة ولا كثافة مطلقا ، بل لا نسبة لها إلى موادّ هذه النشأة ، وكذلك صورها أتمّ وجودا وأوفر قسطا من الفيض الأعلى وأحفظ من صور هذه النشأة بل لا نسبة لها إليها ،