ملا نعيما العرفي الطالقاني

120

منهج الرشاد في معرفة المعاد

غير المتناهية أبديّة الوجود بنوعها ، فتدبّر . لا يقال : يمكن أن يكون العلم بالأصلح اقتضى فناء الصادر الأوّل ، بل فناء العالم بجملته في وقت من الأوقات كوقت قيام الساعة بقطع فيض الوجود عنها ، وأن يكون الحكمة في ذلك إظهاره جلّ شأنه عظمته وجبروته وتفرّده بالعزّ والبقاء وقهر خلقه بالموت والفناء كما دلّ عليه الآيات والأخبار ، كقوله تعالى : « لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ » . « 1 » لأنّا نقول : إن هذا الإظهار أيضا يقتضي أن يكون هناك من يظهر عليه ذلك ، وهو أيضا من أجزاء العالم كما أنّ قوله : « لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ » يقتضي أن يكون هناك مملوك ويوم ، وهما أيضا من أجزاء العالم فهذا أيضا يدلّ على أنّه لا ينعدم العالم بجملته ، بل يبقى منه شيء في ذلك الوقت أيضا كما دلّ عليه قوله تعالى : « وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ » « 2 » حيث استثنى من شاء اللّه من ذلك وقد ذكر المفسّرون أنّ المراد بمن شاء اللّه في الآية الملائكة الأربعة أو الشهداء ، وحينئذ نقول إن كان الصادر الأوّل داخلا في من شاء اللّه ففيه المطلوب ، وكذا إن لم يكن داخلا فيهم لأنّ دلالة الآية على بقاء بعض من الخلق وأبديّته ظاهرة وهو المطلوب أيضا ، وإن لم يكن ذلك البعض هو الصادر الأوّل . وبالجملة فهذا الإظهار لا يتوقّف على طروء الفناء على الخلق أجمعين ، ويمكن أن يكون بطروئه على غير المستثنى ولعلّ الصادر الأوّل من المستثنى ، كيف وقد عرفت أنّه أشرف الممكنات ، كما لا يتوقّف على طروء الفناء والعدم بالمرّة على غير المستثنى أيضا ، بل يمكن أن يكون ذلك بالنسبة إلى ذوي الأنفس بطروء الموت أي بتلاشي أجزاء أبدانهم ، وقطع علاقة نفوسهم عن أبدانهم ، وبالنسبة إلى الأجسام غير ذوات الأنفس بتبدّل الصور وتغيّر الهيئات والصفات والحالات ونحو ذلك ، كما قال اللّه تعالى : « يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ » . « 3 » « يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ » . « 4 »

--> ( 1 ) - غافر : 16 . ( 2 ) - الزمر : 68 . ( 3 ) - الأنبياء : 104 . ( 4 ) - إبراهيم : 48 .