ملا نعيما العرفي الطالقاني
115
منهج الرشاد في معرفة المعاد
من أنّ اللّه تعالى يخلق الفناء ، فيفني به الأجسام لكونه ضدّا ومنافيا لها ، سواء قيل بأنّه يخلق لكلّ جوهر فناء على حدة كما ذهب إليه أبو علي منهم ، أو أنّ فناء واحدا يكفي لإفناء الكلّ كما ذهب إليه أبو هاشم منهم ، وسواء كانوا اعتبروا الفناء ضدّا اصطلاحيّا للجواهر ، كما هو ظاهر المنقول عنهم ، أو أمرا منافيا للجواهر مطلقا بحيث يشمل عدم الملكة أو السلب أيضا ، فتبصّر . فإن قلت : إنّا لا ندّعي بقولنا : « إنّه يمكن أن يكون العلم بالأصلح ، اقتضى انعدام شيء بعد وجوده ، كالصادر الأوّل أو القديم » أنّه يمكن أن يوجد عدم ذلك وفناؤه بعده كما هو مبنى ما ذكرت ، وأقمت الدليل على عدم إمكانه ، بل ندّعي أنّه يمكن أن يقتضي العناية الأزليّة والعلم بالأصلح قطع الفيض والوجود عن ذلك الشيء . والحاصل أنّ الممكن لمّا كان في وجوده وبقائه محتاجا إلى المؤثّر كما هو المحقّق في موضعه ، سواء كان البقاء عبارة عن أمر آخر سوى أصل الوجود الأوّل ، أي عن استمراره ، أو عبارة عن الوجود الأوّل بحيث يبقى زمانين أو أكثر ، وكان وجوده وبقاؤه جميعا مفاضين بإفاضة الجاعل له الموجد إيّاه ، فجاز أن يقتضي العلم بالأصلح إبقاءه في حين ، ثمّ يقتضي قطع الإفاضة والجعل عنه وينعدم ، وهذا وإن كان فيه انعدام ذلك الشيء ، لكن ليس بجعل عدمه وفنائه ، بل بعدم جعل وجوده وعدم إفاضة بقائه ، وفي هذا ليس شيء من المفاسد التي ذكرتها في الجواب عنه . قلت : قد ذكرنا أنّ العلم بالأصلح لا يكون جزافيّا ، بل ينبغي أن يكون متعلّقا بما هو أصلح في الواقع وفي نفس الأمر ، وأن يكون قطع الإفاضة أصلح في نفس الأمر حين فرض القطع ، كما كانت إفاضة الوجود والبقاء أصلح في الواقع حين فرضهما . فهذا القطع وهذا الذي فرض كونه أصلح في ثاني الحال كلاهما حادثان لم يكونا قبل . ومن المقرّر أنّ الحادث إنّما يكون بسبب حادث بسببه حدث قطع الإفاضة وحصول الأصلح الثاني ، وما هو الّا أحد أسباب زوال المعلول ، ومن المقرّر أنّ زوال المعلول إمّا بزوال علّته التامّة أو بزوال جزئها أو شرطها . وبعبارة أخرى إمّا بزوال علّته الفاعليّة ، أو بزوال صورته ، أو مادّته إن كان له صورة ومادة ، أو بزوال شرط وجوده إن كان له شرط ، أو بزوال غايته إن كانت له غاية وكان صادرا عن الفاعل المختار ، كما يقولون إنّ ذات البارئ تعالى وإن كان