الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
496
المنقذ من التقليد
أيضا أن يكون في الجوّ غيم حال بينه وبين كلّ من لم يشاهده ، فلذلك لم يروه . فإن قيل : أليس التجّار المسافرون إلى طمغاج « 1 » يحكون أنّ هناك حجرا إذا جعل في الماء يظهر عند ذلك في الجوّ غيم وينزل المطر وأنّهم إذا أرادوا ، المطر القليل جعلوا بعضه في الماء وبعضه خارجه ، وإذا أرادوا الكثير من المطر غمسوه كلّه في الماء . وإذا كان كذلك فكيف تحتجّون بحديث الاستسقاء ؟ وكيف تعدّونه معجزا خارقا للعادة ؟ قلنا : من المعلوم أنّ العادات تختلف بحسب اختلاف الأمكنة والأزمنة . أمّا اختلافها باختلاف الأمكنة فهو كسقوط الثلج ومجيئه في بلادنا هذه دون بلاد نجد وتهامة وأمّا اختلافها باختلاف الأزمنة فهو كمجيئه عندنا في الشتاء دون الصيف والمعتبر في المعجز هو خرق عادة من كان النبيّ بين ظهرانيهم . إذا ثبت هذا وتقرّر ، فلو صحّت الحكاية المذكورة في السؤال لكان ذلك معتادا لأولئك الأقوام وفي بلادهم ، فتكون عادة جارية فيما بينهم ، ولا تكون عادة اللّه تعالى في أرض نجد وتهامة ولا في بلادنا هذه . وبيانه أنّ أحدا لم ير في بلادنا قطّ مثل ذلك ونعلم أيضا أنّه لو كان لما ذكره السائل أصل وصحّة ونقل إلينا ذلك الحجر وعمل به ما يعمل هناك من جعله في الماء لما حصل عنده ما يدّعي حصوله هناك باعتبار أنّه لو حصل منه ذلك المقصود في غير تلك الولاية لقويت الدواعي إلى نقله إلى الأقطار والبقاع لاراءة العجب فيه وإظهاره ، فإنّ طباع البشر مجبولة على إظهار مثل ذلك من العجائب فكانوا ينقلونه ، ولو لم ينقله أحد لوجب أن ينقله الممخرقون للتسوّق به . فلمّا لم ينقلوه دلّ ذلك على أنّه إن كان لما ذكره السائل أصل لكان ذلك مقصورا على تلك البقعة وغيرها من البقاع وعادة جارية ففيما بين أهلها ومن
--> ( 1 ) مدينة مشهورة في بلاد الترك ( آثار البلاد وأخبار العباد : ص 411 ) .