الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
476
المنقذ من التقليد
القول في دفع ما طعن به المخالفون في القرآن اعلم أنّهم قد طعنوا فيه بوجوه : منها : أن قالوا : القرآن مغيّر مبدّل وليس الذي في أيديكم ما وقع به التحدّي للعرب ، فكيف يمكنكم الاستدلال به على صدقه عليه السلام . وأيضا فلو كان معجزا دالا على صدقه لعصمه اللّه عن التغيير . فيقال لهم أوّلا : لم زعمتم انّ القرآن مغيّر مبدّل ، بيّنوا ذلك ليمكنكم القدح فيه ، ثمّ إن كان غرضهم بما ادّعوه من تغيير القرآن وتبديله القدح في نبوته عليه السلام وصدقه في دعواه ودلالة صدقه ، فانّه لا يحصل بما ادعوه من ذلك غرضهم ولا يتمّ به بغيتهم . وذلك لأنّ العلم بصدقه عليه السلام في دعواه النبوّة لا يحتاج إلى العلم بأنّ هذا الذي هو موجود في أيدينا ، هو الذي ظهر عليه بعينه ، بل على الجملة كاف في هذا الباب ، بأن يعلم في الجملة أنّه عليه السلام أظهر كلاما وقرآنا بلغتهم ، وادّعى أنّه كلام اللّه انزل عليه وخصّه به دونهم . فإنهم لا يمكنهم الإتيان بمثله وأنّهم لم يأتوا بمثله مع حرصهم على الإتيان بمثله وشدّة دواعيهم وحاجتهم إليه ، فكان انتفاء ذلك المثل من جهتهم لتعذّره عليهم ، وإن كان ذلك خارقا للعادة ، سواء علم ذلك القرآن بعينه أو لم يعلم ولهذا يمكن الأميّين من الأعاجم الاستدلال بالقرآن على نبوته وصدقه في دعواه وإن لم يعلموا القرآن على التعيين ولا تعلموه على أنّا نبين أنّ القرآن ليس مغيّرا ولا مبدّلا ، ليبطل بذلك