الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
465
المنقذ من التقليد
جائز ولا يجب على اللّه تعالى إجابة المقترح فيما يقترحه . الا ترى أنّه تعالى لم يجبهم إلى ما التمسوه من المعجزات ، كإحياء عبد المطلب ونقل جبال تهامة عن موضعها ، وأن يفجّر لهم الأرض ينبوعا أو يسقط السماء كسفا ، وغيرها من الآيات التي طلبوها ، فبطل ما ذكره السائل . فإن قيل : إذا لم يخرق القرآن بفصاحته ، فلم شهد له بالفصاحة متقدّموا الفصحاء كالوليد بن المغيرة وانقادوا له ؟ ولم أجاب دعوته كثير من الشعراء ، كالنابغة الجعديّ وأسيد بن ربيعة وكعب بن زهير والأعشى الكبير ، لأنّه يقال إنّه توجّه ليسلم ، فمنعه أبو جهل ، وقال : إنّه يحرّم عليك الأطيبين ، الزنا وشرب الخمر ، وصدّه عن ذلك ، فلو لا أنّهم علموا مرتبة القرآن ومزيّته في الفصاحة ، لما انقادوا له . قلنا : كان من قال بالصّرفة ينكر مزيّة القرآن على غيره في الفصاحة ولا يقرّبها ، بل « 1 » هو مقرّ بمنزلة القرآن في الفصاحة وكونه أفصح من جميع كلامهم . ولكنّه يقول هذه المزيّة ليست ممّا يخرق العادة ويبلغ حدّ الاعجاز ، فليس في اقرار الفصحاء وشهادتهم بفصاحة القرآن وبلاغته وفرط براعته ما يقدح في القول بالصرفة . فأمّا دخولهم في الاسلام فلا شكّ في أنّه كان لأمر بهرهم وأعجزهم ، وأي شيء أبلغ في ذلك من تعذّر المعارضة عليهم متى راموها مع سهولة الكلام الفصيح عليهم إذا لم يعارضوا . فإن قيل : ما أنكرتم أن يكون القرآن من فعل بعض الجنّ ألقاه إلى النبيّ ، عليه السلام ، وخرق به عادتنا وقصد به الإضلال عن الدين ، ولا يمكن ادّعاء القول بأنّ فصاحة الجنّ مثل فصاحة العرب من غير زيادة عليها ، لأنّه لا طريق إلى ذلك ، ويكفي أن يكون ما ذكرناه مجوّزا ، لأنّ التجويز في هذا الباب كاف .
--> ( 1 ) م : بلى .