الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

462

المنقذ من التقليد

مثل فصاحة كثير من القرآن . واختصاص القرآن بنظم مخالف لسائر النظوم معلوم ضرورة ، لأنّ كلّ من سمع الشعر والخطب والسجع وجميع أنواع الكلام « 1 » علم أنّ القرآن يختص بأسلوب ونظم ليس لشيء من كلام العرب ، فأمّا الذي يدلّ على أنه لولا الصرف لعارضوه ، فهو أنّه إذا ثبت أنّ في فصيح كلامهم ما يقارب كثيرا من القرآن والنظم لا يصحّ فيه التزايد والتفاضل بدلالة أنّه يشترك الشاعران في نظم واحد لا يزيد أحدهما على صاحبه فيه ، وإن تباينت فصاحتهما ، ومن البيّن أنّه لا يتعذّر نظم مخصوص بمجرّد العادة على من يتمكّن من نظوم غيره ولا يحتاج في ذلك إلى زيادة علم كما يحتاج إليها في الفصاحة . ألا ترى أنّ من قدر من الشعراء على وزن الطويل يقدر على البسيط وغيره وإن كان على سبيل الاحتذاء ، وإن خلا كلامه من الفصاحة فعلم بذلك أنّ النظم لا يقع فيه تفاضل . لم يبق بعد هذا ، إلّا أن يقال : الفضل في السبق إليه . وذلك لا يعدّ خرق عادة ، إذ لو كان السبق إلى ما ذكرناه خرق عادة ، لوجب أن يكون من سبق إلى ابتداء الشعر أتى بمعجز ، وكذلك كلّ من سبق إلى عروض من أعاريضه ، أو وزن من أوزانه ، وجب أن يكون قد أتى بمعجز ، وذلك باطل . فإن قيل : قولكم هذا يخرج القرآن من كونه معجزا ، لأنّ على هذا المذهب المعجز هو الصّرف ، وذلك خلاف إجماع المسلمين . قلنا : هذه مسألة خلاف لا يجوز أن يدّعى فيها الإجماع . على أنّ معنى قولنا « معجز » في العرف بخلاف ما هو في اللغة . والمراد به في العرف ما له حظّ في الدلالة على صدق من ظهر على يده ، والقرآن بهذه الصفة عند من قال بالصّرفة ، فجاز أن يوصف بأنّه معجز ، وإنّما ينكر العامّة القول بأنّ القرآن ليس بمعجز إذ

--> ( 1 ) م : كلام العرب .