الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

459

المنقذ من التقليد

فساده الأكثرون خوفا من أن يتعلّق به عليهم ، ويستدلّ به على فساد قولهم ، حيث احتجوا بالأمر المألوف الذي لا يحتجّ العقلاء بمثله . وممّا يوضح مباينة القرآن لكلام البشر في فصاحته ونظمه وأسلوبه أنّ العادة جارية بأنّ الرجل إذا أكثر من قراءة كلام بعض الفصحاء ، اكتسب بذلك فصاحة تقرب من فصاحته وتقبل بذلك طريقته ، وقد وجدنا الخاصّة والعامّة من الفصحاء وغيرهم يكثرون من قراءة القرآن وتلاوته إكثارا لا يوجد مثله ممّن يكثر من قراءة غير القرآن ، حتى أنّ فيهم من يختم كلّ يوم ختمة ، وفيهم من يختم في كلّ أسبوع ومع هذا ما وجدنا أحدا منهم تقبل طريقته في كلامه أو أكسبته قراءة القرآن شيئا من الفصاحة في مثل ذلل النظم . وذلك لا يكون إلّا لأحد أمرين ، إمّا أنّه لا مزيّة له في النظم والفصاحة ، وإمّا لأنّه في نظمه وفصاحته مباين لكلام الناس وليس ممّا ينطبع للبشر ، ومعلوم بطلان القسم الأوّل باضطرار ، فتحقّق الثاني . فأمّا من جهة إعجاز القرآن ، فقد اختلف العلماء فيها : فذهب النظّام إلى أنّ جهة إعجازه الصرفة . وهي انّ اللّه تعالى سلب العرب العلوم التي بها كانوا متمكّنين من أن يأتوا بمثل القرآن في فصاحته ونظمه ، حتى راموا المعارضة ولم يسلبوها لكانوا متمكنين من المعارضة ونصر أبو إسحاق النصيبيّ هذا المذهب . وهو الذي اختاره علم الهدى رحمه اللّه . وذهب أبو عليّ وأبو هاشم وأصحابهما إلى أنّ جهة إعجازه الفصاحة المفرطة التي خرقت العادة فمنهم من اعتبر مع الفصاحة النظم والأسلوب ، ومنهم من لم يعتبر ذلك ، وذهب ذاهبون إلى انّ جهة إعجازه النظم والأسلوب اللذان اختصّ بهما القرآن ، دون الفصاحة ، إذ من المعلوم أنّ مثل نظم القرآن وأسلوبه لا يوجد في كلامهم . وذهب أبو القاسم البلخيّ إلى أنّ نظم القرآن وتأليفه مستحيلان من العباد