الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

453

المنقذ من التقليد

قلنا : قول السائل « إنّه كان في كلامهم ما يقارب القرآن في فصاحته » فغير نافع للخصوم ، لأنّه وإن سلّم ذلك ، فلا شكّ في أنّه لم يكن في كلامهم ما يماثل القرآن في أسلوبه ونظمه وفصاحته ، مع أنّ جميع ذلك مطلوبة في التحدّي المعهود فيما بينهم على ما أشرنا إليه ، فكيف يمكنهم التعويل على ما ذكره السائل . ثمّ وإن هذا السؤال لا يتوجّه على أصحاب الصرفة ، لأنّهم يسلّمون ذلك ، إلّا أنّهم يقولون إنّهم منعوا من مثله في المستقبل فلا ينفع القول بأنّ مثل ذلك كان في الزمان الماضي موجودا منهم ، بل ذلك مؤكد الحجّة عليهم ومن يقول بأنّ جهة الاعجاز فرط الفصاحة ، لا يسلّم أنّه كان في كلامهم مثله . وبعد ، فانّ الحوالة على ما مضى إنّما يجوز فيما يكون الأمر فيه ظاهرا غير متلبس فأمّا مع دخول الشبهة على العقلاء فلا يجوز الاقتصار على الحوالة المشار إليها ، بل لا بدّ من تكلّف المعارضة لإزالة الشبهة . ثمّ يقال للسائل : من لا يفكّر في ذلك ولا يلتفت إليه احتقارا له وتعويلا على أنّ في كلامهم مثله ، كيف يتكلّف المشاقّ العظيمة والحروب الخطيرة فجميع هذا دلالة على عظم العناية من جهتهم بأمر الرسول وما جاء به من القرآن ، بخلاف ما قاله السائل . فإن قيل : إنّ الذين تمكنوا من المعارضة ، كانوا نفرا قليلا واطئوه عليه السلام على ذلك ، وأظهروا العجز ليتمّ ما راموه من الرئاسات . قلنا : هذا باطل أيضا ، لأنّه كان يجب أن يعارضه من لا يواطؤه « 1 » ، لأنّهم وإن كانوا دون من واطئوه في الفصاحة على ما زعمه السائل ، فانّهم كانوا يقاربونهم . بذلك جرت العادة ، إذ من المعلوم أنّ التفاوت بين الفصحاء

--> ( 1 ) م : يواطئه .